كتاب الشركة الصفحة 1 من 11

بواسطة: الشيخ محمد بن عبدالوهاب

الشركة ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع لقوله ( وإن كثيراً من الخلطاء ) الآية ، ومن السنة قول زيد : ’ كنت أنا والبراء شريكين فاشترينا فضة بنقد ونسيئة ’ الخ . وهي على خمسة أضرب : شركة العنان ، وشركة المضاربة ، وشركة الوجوه ، وشركة الأبدان ، وشركة المفاوضة . قال أحمد : يشارك اليهودي والنصراني ، ولكن لا يخلو اليهودي ولا النصراني بالمال دونه لأنه يعمل بالربا ، وكره الشافعي مشاركتهم لأنه مروي عن ابن عباس ، ولأن ، ما لهم ليس بطيب ، ، ولنا ما روى الخلال بإسناده عن عطاء : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مشاركة اليهودي والنصراني إلا أن يكون الشراء والبيع بيد المسلم ، وقول ابن عباس محمول على هذا فإنه علله به في رواية أبي حمزة ، وقولهم أمواله غير طيبة فإنه صلى الله عليه وسلم قد عاملهم ، وما باعوه من الخمر والخنزير قبل مشاركة المسلم فثمنه حلال لاعتقادهم حله ولهذا قال عمر : ولوهم بيعها وخذوا أثمانها .

وشركة ( العنان ) أن يشتركا بماليهما ليعملا فيه ، وهي جائزة بالإجماع . ولا تصح إلا بشرطين :
أن يكون رأس المال دراهم أو دنانير ولا تصح العروض ، وعنه تصح ويجعل قيمتها وقيمة العقد رأس المال، وهل تصح بالفلوس والمغشوش ؟ على وجهين .

الثاني : أن يشترطا لكل منهما جزاءاً من الربح مشاعاً معلوماً كالنصف ، سواء شرطا لكل واحد منهما قدر ماله من الربح أو أقل أو أكثر وبه قال أبو حنيفة ، وقال مالك والشافعي : لا بد من الربح والخسران على قدر المالين ، فإن شرطا لأحدهما في الشركة والمضاربة دراهم معلومة أو ربح أحد الثوبين لم يصح حكاه ابن المنذر اجماعاً إذا جعل أحدهما أو كلاهما لنفسه دراهم معلومة ، وما يشتريه كل واحد منهما بعد عقد الشركة فهو بينهما ، فأما ما يشتريه لنفسه فهو له والقول قوله لأنه أعلم بنيته . وإن تقاسما الدين في الذمة لم يصح ، وعنه يجوز فلا يرجع من توى ماله على من لم يتو ، وإن أقر بمال لم يقبل على شريكه لأنه إنما أذن له في التجارة ، وقال القاضي : يقبل إقراره على مال الشركة وعلى كل واحد أن يتولى ما جرت العادة به من إحراز المال ونحوه . فإن استأجر أحدهما فالأجرة عليه ، وما جرت العادة أن يستنيب فيه كحمل المتاع فمن مال القراض ، فإن فعله ليأخذ الأجرة فهل له ذلك ؟ على وجهين . والشروط فيها ضربان :
( صحيح ) مثل أن يشترط أن لا يتجر إلا في نوع أو بلد أو لا يبيع إلا بنقد أو لا يسافر بالمال .

( وفاسد ) مثل ما يعود بجهالة الربح أو ضمان المال أو أن عليه من الوضعيه أكثر من قدر ماله ، فما نافي مقتضى العقد مثل أن لا يعزله أو يوليه ما يختار من السلع ونحو ذلك لأنها تفوت المقصود من المضاربة وهو الربح أو يمتنع الفسخ الجائز ، وما عاد بجهالة الربح مثل أن يشترط جزاءاً من الربح مجهولا أو ربح أحد الكبشين أو دراهم معلومة فهذه شروط فاسدة لأنها تفضي إلى جهل حق كل واحد منهما من الربح أو إلى فواته بالكلية ، وما ليس من مصلحة العقد ولا مقتضاه مثل أن يشترط المضاربة في مال آخر أو يأخذه قرضاً أو بضاعة أو ضمان المال فما عاد بجهالة الربح فسدت المضاربة وما عداه من الشروط الفاسدة فأظهر الروايتين أن العقد صحيح .

الثاني ( المضاربة ) وهي مجمع على جوازها ، ومن شرطها تقدير نصيب العامل ، فلو قال : خذه مضاربة فالربح كله لرب المال وللعامل أجرة مثله ، وقال الحسن والاوزاعي : الربح بينهما نصفين .

قال ابن المنذر : أجمع كل من نحفظ عنه أنه لا يجوز أن يجعل الرجل ديناً له على رجل مضاربة ، وقال بعض أصحابنا : يحتمل أن يصح ، وإن أخرج مالا ليعمل فيه وآخر والربح بينهما صح نص عليه ، ومذهب مالك والشافعي أنه إذا شرط على رب المال أن يعمل معه لم يصح وقاله الأوزاعي وابن المنذر ، وقال : لا تصح المضاربة حتى يسلم المال إلى العامل ويخلي بينه وبينه ، وإن اشترك مالان ببدن صاحب أحدهما فهذا شركة ومضاربة وهو صحيح ، وقال مالك : لا يجوز .

وإذا تعدى المضارب ضمن في قول الأكثر ، روي عن أبي هريرة وحكيم بن حزام ومالك والشافعي وأصحاب الرأي ، وروي عن علي لا ضمان على شريكه في الربح ، وروي عن الحسن والزهري . وإن اشترى ما لم يؤذن له فيه فربح فالربح لرب المال نص عليه وبه قال أبو قلابة ، وعنه يتصدقان به وهو قول النخعي ، وقال مالك : الربح على ما شرطا . وليس لرب المال أن يشتري من مال المضاربة شيئاً لنفسه ، وعنه يجوز . وإن اشترى المضارب ولم يظهر ربح صح ، وقال أبو ثور : البيع باطل لأنه شريك ، ولنا أنه إنما يكون شريكاً إذا ظهر الربح . وليس للمضارب نفقة إلا أن يشترط ، وقال مالك وإسحق : ينفق من المال بالمعروف إذا شخص به عن البلد . فإن أذن له في التسري صح . فإن اشترى جارية ملكها وصار ثمنها قرضاً نص عليه . وليس للمضارب ربح حتى يستوفي رأس المال ويسلمه إلى ربه ، وفي ملك العامل نصيبه من الربح قبل القسمة روايتان . وإن تلف بعض رأس المال قبل التصرف فيه انفسخت فيه المضاربة وإذا ظهر الربح لم يكن له أخذ شيء إلا بإذن رب المال لا نعلم فيه خلافاً، وإن مات المضارب ولم يعلم مال المضاربة فهو دين في تركته ،وكذلك الوديعة ، وقال الشافعي : ليس على المضارب شيء .

وإذا كان لرجلين دين إما عقد أو ميراث أو غيره فقبض أحدهما منه شيئاً فللآخر مشاركته ، وعنه أن لأحدهما أخذ حقه دون صاحبه وهو قول أبي العالية وأبي قلابة وأبي عبيد .

الثالث : شركة الوجوه ، وهو أن يشترك اثنان فيما يشتريان بجاههما من غير أن يكون لهما رأس مال . قال أحمد : في رجلين اشتركا بغير رءوس أموال : هو جائز . وبه قال الثوري وابن المنذر ، وقال أبو حنيفة : لا يصح حتى يذكر الوقت أو المال أو صنفاً من الثياب ، وقال مالك والشافعي : يشترط ذكر شرائط الوكالة وهما في التصرفات كشريكي العنان فيما يجب لها وعليهما وغير ذلك .

الرابع : شركة الأبدان ، وهي أن يشتركا فيما يكسبان بأبدانهما أو فيما يكسبان من المباح كالحشيش فهذا جائز نص عليه فقال : لا بأس أن يشترك القوم بأبدانهم ولس معهم مال قد أشرك النبي صلى الله عليه وسلم بين سعد وابن مسعود وعمار فجاء سعد بأسيرين ولم يجيئا بشيء ، وقال أبو حنيفة : تصح في الصناعة لا في اكتساب المباح ، وقال الشافعي شركة الأبدان كلها فاسدة ، ولنا ما تقدم . فإن قيل المغانم بين الغانمين فكيف اختص هؤلاء بالشركة ، وقال بعض الشافعية : مغانم بدر لرسول الله دفعها إلى من شاء ، قلنا : غنائم بدر لمن أخذها قبل أن يشرك الله بينهم ولهذا قال صلى الله عليه وسلم ’ من أخذ شيئاً فهو له ’ والله سبحانه إنما جعلها لنبيه بعد أن غنموا واختلفوا فيها . ويصح مع اختلاف الصنائع في أحد الوجهين . والربح في شركة الأبدان على ما اتفقوا عليه ، فإن مرض أحدهما فالكسب بينهما ، فإن طالبه الصحيح أن يقيم مقامه لزمه .

وإن دفع دابته إلى من يعمل عليها وما رزق الله فهو بينهما على ما شرطا صح ، وكرهه الحسن ، وقال الشافعي وابن المنذر : لا يصح والربح كله لرب الدابة وللعامل أجرة مثله ، وقال أحمد فيمن يعطي فرسه على النصف من الغنيمة : أرجو أن لا يكون به بأس وبه قال الأوزاعي ، وقال أحمد : لا بأس بالثوب يدفع بالثلث والربع ، قيل : يعطيه بالثلث والربع ودرهم أو درهمين ؟ قل : أكرهه لأنه لا يعرف الثلث . وإذا لم يكن معه شيء نراه جائزاً لإعطائه خيبر على الشطر .

الخامس : شركة المفاوضة ، وهي أن يدخلا في الشركة الأكساب النادرة كوجدان لقطة أو ركاز أو ما يحصل لهما من ميراث أو ما يلزم أحدهما من أرش جناية فهي فاسدة ، وأجازها الثوري والأوزاعي .

ومن هنا إلى آخر الباب من ( الانصاف ) :
وإن تقاسما في الذمة لم يصح ، وعنه يصح اختاره الشيخ وقال : ولو في ذمة واحدة ، وقال إذا تكافأت الذمم فقياس المذهب من الحوالة على مليء وجوبه . وإذا قبض أحد الشريكين من مال بينهما بسبب واحد كإرث ـ قال الشيخ : أو ضريبة سبب استحقاقها واحد ـ فلشريكه الأخذ من الغريم ومن الآخذ ، واختار الشيخ أن الآخذ لو أخرجه من يده برهن أو قضاء دين أو تلف في يده أنه يضمنه . وإذا فسد العقد فأوجب الشيخ فيه نصيب المثل فيجب من الربح جزء جرت العادة بمثله ، وقال : الربح الحاصل من مال لم يأذن مالكه في التجارة به قيل : للمالك وقيل : للعامل وقيل يتصدقان به وقيل : بينهما على قدر النفعين بحسب معرفة أهل الخبرة وهو أصحها إلا أن يتجر به على غير وجه العدوان مثل أن يعتقد أنه ماله فهنا يقتسمان الربح بلا ريب ، وقال في موضع آخر : إن كان عالماً بأنه مال الغير فهنا يتوجه قول من لا يعطيه شيئاً ، فإذا تاب أبيح له بالقسمة وإن لم يتب ففي حله نظر ، وكذلك إذا غصب شيئاً كفرس فكسب به يجعل الكسب بين الغصب ومالك الدابة على قدر نفعهما بأن تقوم منفعة الراكب ومنفعة الدابة ثم يقسم الصيد بينهما . وأما إذا كسب العبد فالواجب أن يعطي المالك أكثر الأمرين من كسبه أو قيمة نفقته انتهى . وليس للمضارب أن يضارب لآخر إذا كان فيه ضرر على الأول ، فإن فعل رد نصيبه من الربح في شركة الأول . واختار الشيخ أن رب المضاربة الأولى لا يستحق من ربح المضاربة الثانية شيئاً ، وقال ليس للمضارب نفقة إلا بشرط أو عادة ، وهل يملك العامل حصته من الربح قبل القسمة ؟ على روايتين ، وعنه رواية ثالثة يملكها بالمحاسبة والتنضيض والفسخ قبل القسمة والقبض اختاره الشيخ ، وقال : لو مات وصي وجهل بقاء مال موليه فهو تركته ، واختار أن له دفع دابته ونخله لمن يقوم به بجزء من نمائه ، واختار صحة أخذ الماشية ليقوم عليها بجزء من درها ونسلها وصوفها ، وقال : تصح شركة الشهود وللشاهد أن يقيم مقامه إن كان علىعمل في الذمة ، وإن كان الجعل على شهادته بعينه ففيه وجهان قال : والأصح جوازه ، قال : وللحاكم إكراههم لأن له نظراً في العدالة وغيرها . وقال : إن اشتركوا على أن كل ما حصله واحد منهم بينهم بحيث إذاشهد أحدهم وكتب شاركه الآخر وإن لم يعمل فهي شركة الأبدان تجوز حيث تجوز الوكالة وأما حيث لا تجوز ففيه وجهان كشركة الدلالين ونص أحمد على جوازها . وقال الشيخ : تسليم الأموال إليهم مع العلم بالشركة إذن لهم ، قال : إن باع كل واحد منهم ما أخذ ولم يعط غيره واشتركا في الكسب جاز لئلا تقع منازعة .







طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق