كتاب الوصايا الصفحة 1 من 4

بواسطة: الشيخ محمد بن عبدالوهاب

الأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع ، لقوله تعالى : ’ كتب عليكم إذا حضر إحدكم الموت ’ الآية ، وقوله : ’ من بعد وصية يوصي بها أو دين ’ . وأما السنة فحديث سعد وابن عمر وغيرهما . وأجمعوا على جوازها . قال ابن عبد البر : أجمعوا على أنها غير واجبة إلا على من عليه حق بغير بينة أو أمانة بغير إشهاد ، إلا طائفة شذت فأوجبتها ، وروي عن الزهري وأبي مجلز وهو قول داود ، ولنا أن أكثر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يوصوا ولم ينقل لذلك نكير ، وأما الآية فقال ابن عباس وابن عمر : نسختها آية الميراث ، وحديث ابن عمر محمول على من عليه واجب .

وتصح من السفيه المحجور عليه ومن الصبي إذا جاوز العشر لا من دون سبع ، وفي ما بينهما روايتان . وعن ابن عباس : لا تصح حتى يبلغ ، وللشافعي قولان ، ولنا ماروي أن صبياً من غسان له عشر سنين أوصى إلى إخوانه فرفع إلى عمر فأجازه رواه في الموطأ ، وفيه أن الوصية بيعت بثلاثين ألفاً وهذه قصة اشتهرت فلم تنكر .
ومن له فوق السبع فيه روايتان إحداهما تصح ، قال شريح وعبد الله ابن عتبة : من أصاب الحق أجزنا وصيته ، وأما الطفل والمجنون فلا تجوز في قول الأكثر ولا نعلم أحداً خالفهم إلا إياس بن معاوية فإنه قال في الصبي والمجنون : إذا وافقت وصيتهما الحق جازت .
وتصح وصية الأخرس بالإشارة لا من اعتقل لسانه ، ويحتمل الصحة وهو قول الشافعي وابن المنذر ، واحتج بصلاته صلى الله عليه وسلم وهو قاعد فأشار إليهم أن اجلسوا .
وإن وجدت وصية مكتوبة بخطه صحت ، وعنه لا تصح حتى يشُهد ، ووجه الأولى حديث ابن عمر . وإن كتب وصبته وقال : اشهدوا على ما في هذه الورقة لم يجز ، ويحتمل أن يجوز وهو قول مالك والليث والأوزاعي وأبي عبيد ، واحتج بكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عماله والخلفاء من كتبهم إلى ولاتهم بالأحكام التي فيها الدماء والفروج مختومة لا يعلم حاملها ما فيها . وذكر استخلاف سليمان بن عبد الملك وعمر ابن عبد العزيز وقال : ولا نعلم أحداً أنكر ذلك مع شهرته فيكون إجماعاً ، وعن أنس كانوا يكتبون في صدور وصاياهم : هذا ما أوصى به فلان بن فلان أنه يشهد أن لا إله إلا الله ( وحده لا شريك ) له وأن محمداً عبده ورسوله ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها ، وأن الله يبعث من في القبور . وأوصى من ترك من أهله أن يتقوا الله ويصلحو ذات بينهم ويطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين . وأوصاهم بما أوصى به إبراهيم بنيه ويعقوب : ’ يا بني إن الله اصفطى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ’ . أخرجه سعيد عن فضيل عن هشام بن حسان عن ابن سيرين عن أنس .

والوصية مستحبة لمن ترك خيراً للآية ، فنسخ الوجوب وبقي الاستحباب في حق من لا يرث ، فإن كان له ورثة محتاجون وهو فقير فلا يستحب لحديث سعد .

واختلف في قدر الخير فقال ابن عباس : من ترك سبعمائة درهم ليس عليه وصية . وعن علي أربعمائة دينار . وقال طاوس : الخير ثمانون .

قال شيخنا والذي يقوى عندي أنه متى كان المتروك لا يفضل عن غنى الورثة لم تستحب لتعليله صلى الله عليه وسلم بقوله : ’ إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير لك ’ الخ . فيختلف باختلفا كثرة الورثة وقلتهم وغنائهم وحاجتهم . والأولى أن لا يستوعب الثلث وإن كان غنياً لحديث سعد ، وعن ابراهيم كانوا يقولون : صاحب الربع أفضل من صاحب الثلث ، وصاحب الخمس أفضل من صاحب الربع . وأوصى أبو بكر الصديق بالخمس وقال : رضيت ما رضى الله به لنفسه يريد قوله : ’ فأن لله خمسه ’ والأفضل أن يجعلها لأقاربه الذين لا يرثون إن كانوا فقراء ، قال ابن عبد البر : لا خلاف فيه إذا كانوا ذوي حاجة ، لأن الله كتب الوصية للوالدين والأقربين فخرج الوارث وبقى سائرهم على الوصية . فإن أوصى لغيرهم وتركهم صحت في قول الأكثر . وعن طاوس يرد إلى قرابته ، وعن ابن المسيب والحسن الذي أوصي له ( ثلث ) الثلث والباقي يرد إلى قرابته ، ولنا حديث عمران في ستة الأعبد ، فأما من لا وارث له فتجوز بجميع ماله ، وعنه ليس له إلا الثلث ، ووجه الأولى حديث سعيد ، وهنا لا وارث له وهو مروي عن ابن مسعود وعبيدة ومسروق ، فأما ذوو الأرحام فظاهر كلامالخرقي أنه لا يمنع الوصية بجميع المال ، ويحتمل كلام شيخنا أنه لا ينفذ إلا الثلث لدخولهم في قوله : ’ إنك إن تذر ورثتك ’ الخ . والوصية لغير وارث تلزم في الثلث من غير إجازة الورثة ، وما زاد يقف على إجازة الورثة . قال ابن المنذر : أجمعوا على أنها تبطل فيما زاد على الثلث برد الورثة وبردهم في الوصية للوارث ، وإن أجازوا جازت في قول الأكثر ، وقال المزني والظاهرية : الوصية لبعضهم باطلة وإن أجاز الورثة ، ولا نعلم خلافاً في أن اعتبارها بالموت . فلو وصى لثلاثة إخوة له مفترقين ولا ولد له ومات ولم يولد له لم تصح لغير الأخ من الأب وإن ولد له صحت للجميع ، ولا تصح إجازتهم وردهم إلا بعد موت الموصي وما قبله لا عبرة به نص عليه وهو قول الشافعي . وقال الحسن والأوزاعي : يجوز كما لو رضي المشتري بالعيب ، وقال مالك : إن أذنوا له في صحته فلهم الرجوع ، وإن كان في مرضه حين يحجب عن مال فذلك جائز عليهم . وإن مات الموثى له قبل موت الموصي بطل في قول أكثر أهل العلم . واتفق أهل العلم على أن له أن يرجع في كل ما أوصى به وفي بعضه إلا العتق فالأكثر على جواز الرجوع . قال ابن المنذر : أجمع كل من نحفظ عنه أنه إذا أوصى لرجل بطعام فأكله أو بشيء فأتلفه أو وهبة أو بجارية فأحبلها أنه رجوع . وتخرج الواجبات من رأس المال أوصى بها أو لا لقوله سبحانه : ’ من بعد وصية يوصي بها أو دين ’ .

ومن هنا إلى آخر الباب من ( الانصاف ) :
عن الشيخ أن إجازة الورثة تثبت قبل موت الموصي . وأن المجيز لو قال ظننت باقي المال كثيراً قبل قوله أو ظننت قيمته ألفاً فبان أكثر ، وأن الموصى بوقفه إذا نما بعد الموت وقبل إيقافه صرف النماء مصرف الوقف إلى آخره .







طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق