كتاب الجنايات الصفحة 1 من 1

بواسطة: الشيخ محمد بن عبدالوهاب

الأكثر يرون القتل ينقسم إلى عمد ، وشبه عمد ، وخطأ . وأنكر مالك شبهه وقال : ليس في كتاب الله ، وجعله من قسم العمد . ولنا قوله صلى الله عليه وسلم : ’ ألا أن ديّة الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل منها أربعون في بطونها أولادها ’ رواه أبو داود .

فالعمد أن يقتله بما يغلب على الظن موته به عالماً بكونه معصوماً مثل أن يجرحه بسكين أو يغرزه بمسلة أو ما في معناه مما يجرح من الحديد أو الخشب أو القصب أو العظم إذا جرح به جرحاً كبيراً فمات فهو عمد بلا خلاف علمناه ، فأما إن جرحه جرحاً صغيراً كشرط الحجام أو غرزه بإبرة أو شوكة أو جرحه جرحاً صغيراً بكبير في غير مقتل فمات في الحال ففي كونه عمداً وجهان . وإن قطع سلعة من أجنبي بغير إذنه ( فمات ) فعليه القود ، وكذلك إن ضربه بمثقل كبير أو بما يغلب على الظن موته به أو يليقه من شاهق أو يكرر الضرب بصغير ، وعن عطاء : العمد ما كان بالسلاح ، وقال أبو حنيفة : لا قود إلا أن يقتله بالنار ، وعنه في مثقل الحديد روايتان واحتج بالحديث المتقدم قال : فأوجب الدية دون القصاص . ولنا قوله تعالى : ’ كتب عليكم القصاص في القتل ’ وفي الصحيحين : ’ إن يهودياً قتل جارية بحجر فقتله رسول الله بين حجرين ’ والحديث محمول على المثقل الصغير لأنه ذكر العصا والسوط وقرن به الحجر فدل على أنه أراد ما يشبهها ، وإنما حد الموجب للقصاص هنا بوفق عمود الفسطاط لأنه صلى الله عليه وسلم لما سئل عن المرأة التي ضربت جاريتها بعمود الفسطاط فقتلتها وجنينها قضى في الجنين بغرة وقضى بالدية على عاقلتها ، والعاقلة لا تحمل العمد فدل على أنها التي تتخذها العرب لبيوتها وفيها رقة .

وشبه العمد أن يقصد الجناية بما لا يقتل غالباً فيقتل فلا قود فيه ، والدية على العاقلة في قول أكثر أهل العلم ، وجعله مالك عمداً موجباً القصاص ، ولنا حديث الامرأتين المتقدم والحديث الأول. وقولهم هذا قسم ثالث ، قلنا : نعم هذا ثبت بالسنة والأولان بالكتاب . قال ابن المنذر : أجمعوا على أن قتل الخطأ أن يرمي شيئاً فيصيب غيره .

والأصل في وجوب الدية والكفارة قوله تعالى : ’ ومن قتل مؤمناً خطأ ’ الآية ، وسواء كان المقتول مسلماً أو كافراً له عهد لقوله تعالى : ’ وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق ’ الآية . ولا قصاص في شيء من هذا لأن الله تعالى لم يذكره .

ويقتل الجماعة بالواحد إذا كان فعل كل واحد منهم لو انفرد وجب القصاص عليه ، وعنه لا يقتلون به وتجب الدية ، ولنا إجماع الصحابة ولا خلاف أنه لا قصاص على صبي ومجنون ومن زال عقله بسبب يعذر فيه . وفي السكران روايتان . والمرتد لا يجب بقتله قصاص ولا دية ولا كفارة لانه مباح الدم أشبه الحربي .

ويقتل العبد المسلم بالعبد المسلم وإن اختلفت القيمة وعنه : لا . ولنا قوله : ’ كتب عليكم القصاص في القتلى ’ الآية ، ويجري القصاص بينهما فيما دون النفس ، وعنه : لا . ولنا قوله تعالى : ’ وكتبنا عليهم فيما أن النفس بالنفس ’ الآية . ويقتل الذكر بالأنثى والأنثى بالذكر ، وعنه يقتل الرجل بالمرأة ويعطى أولياؤه نصف الدية . ولنا قوله : ’ النفس بالنفس ’ وقوله : ’ الحر بالحر ’ وحديث اليهودي الذي رض رأس الجارية .

ولا يقتل مسلم بكافر في قول الأكثر ، وقال النخعي والشعبي يقتل بالذمي قال أحمد : سبحان الله هذا عجب يصير المجوسي مثل المسلم ، ما هذا القول ؟ واستشنعه وقال : النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ’ لا يقتل مسلم بكافر ’ وهو يقول : يقتل بأي شيء أشد من هذا ؟ !

ولا يقتل حر بعبد ، وروي عن ابن المسيب والثوري واصحاب الرأي يقتل به لعموم الآية والأخبار . ولنا قول عليّ : من السنة أن لا يقتل حرّ بعبد ، وعن ابن عباس مرفوعاً مثله رواه الدارقطني . ولا يقتل السيد بعبده في قول الأكثر ، ولا يقتل الأب بولده ولا ولد ولده وإن نزل سواء في ذلك ولد البنين والبنات ، وقال ابن المنذر : يقتل به لظاهر آي الكتاب ، ولنا قوله : ’ لا يقتل والد بولده ’ رواه النسائي وابن ماجه . قال ابن عبد البر : هو حديث مشهور عند أهل العلم بالحجاز والعراق مستفيض عندهم يستغنى بشهرته وقبوله والعمل به عن الإسناد حتى يكون الإسناد في مثله تكليفاً .
وقتل الغيلة وغيره سواء ، وقال مالك : يقتل به . وليس لولي الدم أن يعفو عنه وذلك إلى السلطان . وإذا كان من يستحق القصاص واحداً غير مكلف فالقصاص له وليس لغيره استيفاؤه ، ويحبس القاتل حتى يبلغ الصبي ويعقل المجنون ويقدم الغائب .

وليس لبعض الأولياء الاستيفاء دون بعض فإن فعل فلا قصاص عليه وعليه لشركائه حقهم من الدية . وإن عفا بعضهم سقط القصاص . وقال الليث والأوزاعي : ليس للنساء عفو وللباقين حقهم من الدية لا نعلم فيه خلافاً لحديث عمر رواه أبو داود ، فإن كان القاتل العافي مطلقاً أو إلى مال فعليه القصاص ، وروي عن الحسن لا يقتل ، ولنا قوله : ’ فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم ’ قال ابن عباس وغيره أي بعد أخذ الدية .

وإن كان بعضهم صغيراً أو مجنوناً فليس للبالغ العاقل استيفاء حتى يصير مكلفين . وعنه للكبار استيفاؤه لأن الحسن قتل ابن ملجم وفي الورثة صغار لم ينكر ، وقيل : قتله لكفره ، وقيل : لسعيه في الأرض بالفساد . وإذا وجب القصاص على حامل أو حملت بعد وجوبه لم تقتل حتى تضع وتسقيه اللبأ لا نعلم فيه خلافاً . ثم إن لم يكن له من يرضعه لم تقتل حتى يجيء أوان فطامه لحديث الغامدية . وأجمعوا على أن العفو عن القصاص أفضل لقوله : ’ فمن تصدق به فهو كفارة له ’ .

والواجب بقتل العمد القصاص أو الدية ، وعنه موجبه القصاص عيناً لقوله : ’ كتب عليكم القصاص ’ والمشهور أحد شيئن وأن الخيرة إلى الولي إن اختار الدية فله لقوله : ’ فمن عُفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف ’ الآية . ومن أقيد بغيره في النفس أقيد به في ما دونها ومن لا فلا ، وعنه لا قصاص بين العبيد في الأطراف لأنها أموال .

ويشترط له ثلاثة شروط : أحدها الأمن من الحيف ، بأن يكون القطع من المفصل ، أو له حد ينتهي إليه كمارن الأنف وهو ما لان منه .
الثاني : المماثلة فتؤخذ اليمنى واليسرى والسفلى من الشفتين بمثلها .
الثالث : استواؤهما في الصحة والكمال فلا تؤخذ صحيحه بشلاء ولا كاملة الأصابع بناقصة .
ويجب القصاص في كل جرح ينتهي إلى عظم يمكن استيفاؤه من غير زيادة ، ولا يقتص من الطرف إلا بعد برئه .







طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق