كتاب البيع الصفحة 1 من 12

بواسطة: الشيخ محمد بن عبدالوهاب

وله صورتان : إحداهما الإيجاب والقبول ، فإن تقدم القبول جاز ، وإن تقدم بلفظ الطلب فقال : يعني بكذا فقال بعتك ففيه روايتان ، وإن تقدم بلفظ الاستفهام مثل أتبيعني ؟ لم يصح ، وإن تراخى القبول صح ما داما في المجلس ولم يتشاغلا بما قطعه . الثانية المعطاة ، وقال مالك : يقع البيع بما يعتقده الناس بيعاً ، وقال بعض الحنفية : يصح في خسائس الأشياء لأن العرف إنما جرى به في اليسير ، ولنا أن الله تعالى أحل البيع ولم يبين كيفيته فيجب الرجوع فيه إلى العرف ، والمسلمون في أسواقهم وبياعاتهم على ذلك ، ولأن البيع كان موجوداً بينهم ، وإنما علق الشرع عليه أحكاماً وأبقاه على ما كان فلا يجوز تغييره بالرأي والتحكم ، ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه استعمال الإيجاب والقبول ، ولو اشترط ذلك لبينه صلى الله عليه وسلم بياناً عاماً ، وكذلك في الهبة والهدية والصدقة فإنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه استعمال ذلك فيه .
ولا يصح إلا بشروط سبعة :
(أحدهما) التراضي به بينهما لقوله تعالى : ( إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ) إلا أن يكره بحق كالذي يكرهه الحاكم على بيع ماله لوفاء دينه .

( الثاني ) أن يكون العاقد جائز التصرف ، فأما الصبي المميز والسفيه فيصح بإذن وليهما في إحدى الروايتين ، والأخرى لا يصح وهو قول الشافعي ، لأن العقل لا يمكن الوقوف منه على الحد الذي يصلح به للتصرف فجعل له ضابط وهو البلوغ ، ولنا قوله تعالى : ( وابتلوا اليتامى ) معناه اختبروهم لتعلموا رشدهم ، فإن تصرف بغير إذن لم يصح إلا في اليسير ، وكذلك غير المميز لما روي أن أبا الدرداء اشترى من صبي عصفوراً فأرسله ، ويحتمل أن يصح ويقف على إجازة الولي وهو قول أبي حنيفة ، وكذلك الحكم في تصرف السفيه بإذن وله فيه روايتان .

( الثالث ) أن يكون المبيع مالا وهو ما فيه منفعة مباحة لغير ضرورة فيجوز بيع دود القز وبزره والنحل ، وقوله : ’ لغير ضرورة ’ احتراز من الميتة والمحرمات التي تباح في حال المخمصة . وكل عين مملوكة يجوز اقتناؤها والانتفاع بها في غير حال الضرورة يجوز بيعها إلا ما استثناه الشرع كالكلب وأم الولد ، وقال أبو حنيفة : إن كان مع دود القز جاز بيعه وإلا فلا لأنه لا ينتفع بعينه وقوله لا ينتفع بعينه ، يبطل بالحيوانات التي لا يحصل منها سوى نفع النتاج ، وقال القاضي : لا يجوز بيع النحل في كواراته لأنه لا يمكن مشاهدة جميعه ، وقال أبو الخطاب : يجوز كالصبرة ، وفي بيع العلق التي ينتفع بها كالتي تمص الدم والديدان التي يصاد بها السمك وجهان أحدهما الجواز ، ويجوز بيع الهر والفيل وسباع البهائم التي تصلح للصيد إلا الكلب . وعن أحمد أنه كره ثمن الهر لما في صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم زجر عنه ، ولنا أنه حيوان يباح اقتناؤه فجاز بيعه ، ويمكن حمل الحديث على غير المملوك منها وعلى ما لا ينفع فيه ، وقال ابن أبي موسى : لا يجوز بيع الفهد والصقر ونحوهما لأنها نجسة كالكلب وهذا يبطل بالبغل والحمار وأما الكلب فإن الشرع توعد على اقتنائه إلا للحاجة ولوقوله : ( وأحل الله البيع ) خرج منه ما استثناه الشرع ، قال أحمد : أكره بيع القرد قال ابن عقيل : هذا محمول على بيعه للعب ، فأما لحفظ المتاع ونحوه فيجوز كالصقر وهذا مذهب الشافعي .

فأما بيع لبن الآدميات فرويت الكراهة فيه عن أحمد ، واختلف أصحابنا في جوازه . وقال أحمد : لا أعلم في بيع المصاحف رخصة ورخص في شرائها ، وممن كره بيعها ابن عمر وابن عباس وأبو موسى ، ورخص فيه الحسن والشافعي ، ولنا قول الصحابة ولم نعلم لهم مخالفاً في عصرهم ، ولا يجوز بيعه لكافر وبه قال الشافعي ، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المسافرة بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن تناله أيديهم .
ولا يجوز بيع الميتة والخنزير والدم ، قال ابن المنذر : أجمع أهل العلم على القول به .

ولا يجوز بيع الكلب أي كلب كان ، ورخص في ثمن كلب الصيد عطاء ، وأجاز أبو حنيفة بيع الكلاب كلها ، ولنا أنه صلى الله عليه ووسلم ’ نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن ’ متفق عليه ’ فأما الحديث أنه نهى عن ثمن الكلب والسنور إلا كلب صيد فقال الترمذي : لا يصح إسناده ، وقال الدار قطنى : الصحيح انه موقوف على جابر .

ولا يحل قتل الكلب المعلم ولا غرم على قاتله ، فأما قتل ما لا يباح إمساكه منها فإن كان أسود بهيما أبيح قتله لأنه شيطان ، وكذلك الكلب العقور لحديث ’ خمس فواسق ’ ألخ . وما لا مضرة فيه لا يباح قتله لأنه صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب ثم نهى عنه وقال : ’ عليكم بالأسود البهيم ذي النقتطين فإنه شيطان ’ رواه مسلم .

ويحرم اقتناء الكلاب إلا كلب الماشية والصيد والحرث لقوله صلى الله عليه وسلم : ’ من اتخذ كلباً إلا كلب ماشية أو صيد أو زرع نقص من أجره كل يوم قيراط ’ متفق عليه . وإن اقتناه لحفظ البيوت لم يجز للخبر ، ويحتمل الإباحة وهو قول بعض أصحاب الشافعي لأنه في معنى الثلاثة ، والأول أصح لأن قياس غير الثلاثة عليها يبيح ما تناول الخبر تحريمه . ويجوز تربية الجرو الصغير لأجل الثلاثة في أقوى الوجهين ، والثاني لا يجوز لأنه ليس من الثلاثة .

ولا يجوز بيع السرجين النجس ، وقال أبو حنيفة : يجوز لأن أهل الأمصار يتبايعونه لزروعهم من غير نكير فكان إجماعاً ولنا أنه مجمع على نجاسته فلم يجز بيعه كالميتة . ولا يجوز بيع الحر ولا ما ليس بمملوك كالمباحات قبل حيازتها لا نعلم فيه خلافاً . ولا يجوز بيع الأدهان النجسة في ظاهر كلام أحمد ، وعنه يجوز بيعه لكافر يعلم نجاستها ، وعن أبي موسى قال لتوّا به السويق وبيعوه ولا تبيعوه من مسلم وبينوه ، والصحيح الأول لقوله : ’ إن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه ’ وفي جواز الاستصباح بها روايتان : روي عنه أنه لا يجوز لقوله : ’ وإن كان مائعاً فلا تقربوه ’ وعنه إباحته لأنه يروى عن ابن عمر وهو قول الشافعي . وكره أحمد أن يدهن منه الجلود وقال : لا يجعل منه الأسقية ، ونقل عن ابن عمر أنه يدهن بها الجلود وعجب أحمد من هذا ، ولا يجوز بيع الترياق الذي فيه لحوم الحيات لأن نفعه بالأكل وهو محرم ولا يجوز التداوي به ولا بسم الأفاعي ، فأما سم النبات فإن أمكن التداوي بيسيره جاز بيعه .

( الرابع ) أن يكون مملوكاً له أو مأذوناً له في بيعه ، فإن باع ملك غيره أو اشترى بعين ماله شيئاً بغير إذنه لم يصح ، وعنه يصح ويقف على إجازة المالك ، والأولى مذهب الشافعي وابن المنذر والثانية قول مالك واسحق وبه قال أبو حنيفة في البيع ، وأما الشراء فيقع عنده للمشتري بكل حال لما روى عروة البارقي أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه ديناراً ليشتري به شاة فاشترى به شاتين ثم باع إحداهما في الطريق بدينار فأتى النبي صلى الله عليه وسلم بالدينار والشاة فقال : ’ بارك الله لك في صفقة يمينك ’ ووجه الأول قوله صلى الله عليه وسلم لحكيم ’ لا تبع ما ليس عندك ’ ذكره جواباً له حين سأله أنه يبيع الشيء ويمضي ويشتريه ويسلمه ، وحديث عروة نحمله على أن وكالته مطلقة لأنه سلم وتسلم وليس ذلك لغير المالك أو وكيله باتفاقنا . وإن اشترى في ذمته شيئاً لإنسان بغير إذنه صح سواء نقد الثمن من مال الغير أم لا ، فإن أجازه لزمه وإلا لزم من اشتراه ، وإن باع سلعة وصاحبها ساكت فحكمه حكم ما لو باعها بغير إذنه في قول الأكثرين ، وقال ابن أبي ليلى : سكوته إقرار لأنه يدل على الرضى كسكوت البكر ، ولنا أن السكوت محتمل فلم يكن إذناً ، كسكوت الثيب . ولا يجوز بيع ما لا يملكه ليمضي ويشتريه ويسلمه رواية واحدة ولا نعلم له مخالفاً لحديث حكيم بن حزام .

ولا يجوز بيع ما فتح عنوة ولم يقسم كأرض الشام والعراق إلا الماسكن وأرضاً من العراق فتحت صلحاً وهذا قول أكثر أهل العلم قال الأوزاعي : لم يزل أئمة المسلمين ينهون عن شراء أرض الجزية ويكرهه علماؤهم ، وقال الثوري إذا أقر الإمام أهل العنوة في أرضهم توارثوها وتبايعوها وروي نحوه عن ابن سيرين والقرظي لما روي أن ابن مسعود اشترى من دهقان أرضاً على أن يكفيه جزيتها . وروي عن أحمد أنه قال : كان الشراء هو أن يشتري الرجل ما يكفيه ويغنيه عن الناس وهو رجل من المسلمين وكره البيع ، قال شيخنا : وإنما رخص فيه لأن بعض الصحابة اشترى ولم يسمع عنهم البيع ، ولنا إجماع الصحابة ، فإن قيل : خالف ابن مسعود قلنا لا نسلم وقولهم اشترى المراد اكترى كذا قال أبو عبيد لأنه لا يكون مشترياً لها وجزيتها على غيره ، وروى عنه القاسم أنه قال من أقر بالطسق فقد أقر بالصغار والذل ، وإذا بيعت وحكم بصحته حاكم صح كسائر المختلفات . وإن باع الإمام شيئاً لمصلحة رآها مثل أن يكون في الأرض ما يحتاج إلى عمارة ولا يعمره إلا من يشتريه صح أيضاً .

ولا يجوز بيع رباع مكة ولا إجارتها ، وعنه يجوز وهو أظهر في الحجة وما روي من الأحاديث في خلافه فهو ضعيف .

ولا يجوز بيع كل ماء عدّ كمياه العيون ونقع البئر ولا ما في المعادن الجارية ولا ما ينبت في أرضه من الكلأ والشوك ، وأما نفس البئر وأرض العيون فهو مملوك والماء غير مملوك ، والوجه الآخر يملك ، روي عن أحمد نحو ذلك فإنه قيل له : رجل له أرض ولآخر ماء يشتركان في الزرع يكون بينهما قال : لا بأس ، وكذا الكلأ النابت في أرضه فكله يخرج على الروايتين في الماء ، قال الأثرم : سئل أبو عبد الله عن قوم بينهم نهر فجاء يومي ولا أحتاج إليه أكريه بدراهم ؟ قال : إنما احتالوا بهذا ليحسنوه فأي شيء هذا إلا البيع . وروى الأثرم أنه صلى الله عليه وسلم قال : ’ المسلمون شركاء في ثلاث : في النار ، والكلأ ، والماء ’ والخلاف فيه إنما هو قبل حيازته فأما ما يحوزه من الماء في إنائه أو يأخذه من الكلأ في حبله أو يأخذه من المعادن فإنه يملكه بغيرخلاف فإنه صلى الله عليه وسلم قال : ’ لأن يأخذ أحدكم حبلا فيأخذ حزمة من حطب فيبيع فيكفّ بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطى أو منع ’ رواه البخاري ، وروى أبو عبيد أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الماء إلا ما حمل منه ، وعلى هذا مضت العادة في الأمصار من غير نكير قال أحمد : إنما نهى عن بيع فضل ماء البئر والعيون في قراره ، وقد اشترى عثمان بئر رومة من يهودي وسبلها للمسلمين وروي أنه اشترى منه نصفها وقال : اختر ، إما أن تأخذ يوماً وآخذ يوماً وإما أن تنصب دلواً وأنصب دلواً ، فاختار يوماً ويوماً ، فكان الناس يسقون منها يوم عثمان لليومين فقال اليهودي : أفسدت على َّ بئري فاشتر باقيها فاشترى باقيها . وفيه دليل على صحة بيعها ، وملك ما يستقيه منها ، وجواز قسمة مائها ، وكون مالكها أحق بمائها ، وجواز قسمة ما فيه حق وليس بمملوك . وإذا اشترى ممن في ماله حلال وحرام كالسلطان الظالم والمرابي فإن علم أن المبيع من حلال فهو حلال وإن علم أنه من الحرام فهو حرام وإن لم يعلم من أيهما هو كره ولم يبطل البيع وهذه هي الشبهة ، وبقدر كثرة الحرام وقلته تكثر الشبهة وتقل لحديث النعمان بن بشير . والمشكوك فيه على ثلاثة أضرب .

الأول : ما أصله الحظر كالذبيحة في بلد فيها مجوس وعبدة أوثان يذبحون فإنه لا يجوز شراؤها وإن جاز أن تكون ذبيحة مسلم لأن الأصل التحريم والأصل فيه حديث عدي ’ إذا أرسلت كلبك فخالط أكلبا لم يسم عليها فلا تأكل فإنك لا تدري أيهما قتله ’ متفق عليه ، فإن كان ذلك في بلد الإسلام فالظاهر إباحتها لأن المسلمين لا يرقون بيع ما لا يجوز بيعه ظاهراً .

الثاني : ما أصله الإباحة كالماء يجده متغيراً لا يعلم بنجاسة تغير أو غيرها فهو طاهر لأن الأصل الطهارة ، والأصل فيه حديث عبد الله بن زيد قال : شكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة قال ’ لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً ’ متفق عليه .

والثالث : ما لا يعرف له أصل كرجل في ماله حلال وحرام فهذا هو الشبهة ، وكان أحمد لا يقبل جوائز السلطان وذلك على سبيل الورع فإنه قال : جوائز السلطان أحب إلى من الصدقة ، وقال : ليس أحدٌ من المسلمين إلا له في هذه الدراهم نصيب فكيف أقول إنها سحت . وممن كان يقبل جوائزهم ابن عمر وابن عباس ورخص فيه الحسن ومكحول والزهري واحتج بعضهم بأنه صلى الله عليه وسلم اشترى من يهودي طعاماً ومات ودرعه مرهونة عنده وأجاب يهودياً دعاه وأكل من طعامه وقد أخبر الله أنهم ’ أكالون للسحت ’ قال أحمد فيمن معه ثلاثة دراهم فيها درهم حرام : يتصدق بالثلاثة وإن كان معه مائتا درهم فيها عشرة حرام يتصدق بالعشرة لأن هذا كثير ، قيل له قال سفيان ما كان دون العشرة يتصدق به وما كان أكثر يخرج قال : نعم لا يجحف به ، ولأن تحريمه لم يكن لتحريم عينه وإنما حرم لتعلق حق غيره به فإذا أخرج عوضه زال التحريم .

( الخامس ) أن يكون مقدوراً على تسليمه فلا يجوز بيع الآبق والشارد والطير في الهواء ، وعن ابن عمر أنه اشترى من بعض ولده بعيراً شارداً ، وعن ابن سيرين لا بأس ببيع الآبق إذا كان علمهما فيه واحداً ، ولنا أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر ( ثبت في الصحيح أنه نهى عن بيع الغرر يتناول كل ما فيه مخاطرة كبيع الثمار قبل بدو صلاحها وبيع الأجنة في البطون وغير ذلك ) .

ولا يجوز بيع السمك في الآجام روي عن ابن مسعود أنه نهى عنه وقال إنه غرر وكرهه الحسن والنخعي ولا نعلم لهم مخالفاً ، وروي عن عمر ابن عبد العزيز فيمن له أجمة يحبس السمك فيها يجوز بيعه ، ولا يجوز بيع المغصوب لعدم إمكان تسليمه فإن باعه لغاصبه أو لقادر على أخذه جاز ، وإن ظن أنه قادر صح البيع فإن عجز فله الخيار بين الفسخ والإمضاء .

( السادس ) أن يكون معلوماً برؤية أو صفة ، فإن اشترى ما لم يره ولم يوصف له لم يصح ، وعنه يصح وللمشترى خيار الرؤية لعموم قوله : ( وأحل الله البيع ) ولما روي عن عثمان وطلحة أنهما تبايعا داريهما إحداهما بالكوفة والأخرى بالمدينة فقيل لعثمان إنك قد غبنت فقال : ما أبالي لأني بعت ما لم أره ، وقيل لطلحة فقال : لي الخيار لأني اشتريت ما لم أره ، فتحاكما إلى جبير فجعل الخيار لطلحة ، ولنا أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر وحديث عثمان وطلجة يحتمل أنهما تبايعا بالصفة وإن قلنا بالصحة فباع ما لم يره فله الخيار عند الرؤية وإن لم يره المشتري فلكل الخبار ، وقال أبو حنيفة : لا خيار للبائع لحديث عثمان ، ولنا أنه جاهل فأشبه المشترى بصفة المعقود عليه ، وإن ذكر له من صفته ما يكفي في السلم ورآه ثم عقدا بعد ذلك بزمن لا يتغير فيه ظاهراً صح في إحدى الروايتين ، ثم إن وجده لم يتغير فلا خيار له ، وإن وجده متغيراً فله الفسخ ، والقول في ذلك قول المشتري مع يمينه لأن الأصل براءة ذمته من الثمن .

ولا يجوز بيع الحمل في البطن واللبن في الضرع والمسك في الفأر والنوى في التمر ، قال ابن المنذر : أجمعوا على أن بيع الملاقيح والمضامين غير جائز ، قال أبو عبيدة : الملاقيح ما في البطن : والمضامين ما في أصلاب الفحول ، ونهى صلى الله عليه وسلم عن بيع حبل الحبلة ومعناه نتاج النتاج . وعن ابن عمر كان أهل الجاهلية يتبايعون لحم الجزور إلى حبل الحبلة ، وحبل الحبلة أن تنتج الناقة ثم تحمل التي نتجت فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم . ولا يجوز بيع اللبن في الضرع لما روى عن ابن عباس مرفوعاً نهى عن أن يباع صوف على ظهر أو لبن في ضرع ، ( رواه ابن ماجه وحكى عن مالك أنه يجوز أياماً معلومة إذا عرفا حلابها كلبن الظئر ) وأجازه الحسن وغيره.

ولا يجوز بيع المسك في الفأر ، وقال بعض الشافعية : يجوز لأن بقاءه في فأره مصلحة له أشبه ما مأكوله في جوفه . وأما الصوف على الظهر فالمشهور أنه لا يجوز ، وعنه يجوز بشرط جزه في الحال . فأما بيع الأعمى وشراءه فإن أمكنه معرفة المبيع بالذوق أو الشم صح وإلا جاز بيعه بالصفة وله خيار الخلف في الصفة ، وقال أبو حنيفة : له الخيار إلى معرفة المبيع .

ولا يجوز بيع الملامسة وهو أن يقول : بعتك ثوبي هذا على أنك متى لمسته فهو عليك بكذا أو يقول أي ثوب لمسته فهو لك بكذا . لا بيع المنابذة وهو أن يقول : أي ثوب نبذته إلى َّ فهو علي بكذا . ولا بيع الحصاة وهو أن يقول ارم هذه الحصاة فعلى أي ثوب وقعت فهو لك بكذا ، أو بعتك من هذه الأرض قدر ما تبلغ هذه الحصاة إذا رميتها بكذا لا نعلم فيه خلافاً ، وفي البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المنابذة وهو طرح الرجل ثوبه ( بالبيع إلى الرجل قبل أن يقلبه أو ينظر إليه ، ونهى عن الملامسة والملامسة : لمس الثوب لا ينظر إليه ) .

ولا يجوز بيع عبد غير معين ولا شجرة من بستان ولا هذا القطيع إلا شاة غير معينة ، وإن استثنى معيناً من ذلك جاز ، وقال مالك يصح : أن يبيع مائة شاة إلا شاة يختارها ويبيع ثمرة بستان ويستثنى ثمرة نخلات يعدها ، ولنا أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الثنيا إلا أن تعلم قال الترمذي : حديث صحيح ، وإن استثنى معيناً جاز لا نعلم فيه خلافاً . وإن باع قفيزاً من هذه الصبرة صح لأنه معلوم . وإن باعه الصبرة إلا قفيزاً أو ثمرة شجرة إلا صاعاً لم يصح ، وعنه يصح لأنها ثنيا معلومة وري عن ابن عمر أنه باع ثمرة بأربعة آلاف واستثنى طعام الفتيان . وإن باع حيواناً واستثنى ثلثه جاز ، وإن باعه أرضاً إلا جريباً أو جريباً من أرض يعلمان جربانها صح وكان مشاعاً فيها وإلا لم يصح ، وإن باعه حيواناً مأكولاً إلاجلده أو رأسه أو أطرافه صح نص عليه ، وقال الشافعي : لا يجوز . ولنا أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الثنيا إلا أن تعلم وهذه معلومة ، وروى أبو بكر في الشافي عن الشعبي قال : قضى زيد ابن ثابت وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في بقرة باعها رجل واشترط رأسها فقضى بالشروى يعني أن يعطى رأساً مثل رأس ، فإن امتنع المشتري من ذبحها لم يجبر ويلزمه قيمته نص عليه لما روي عن علي أنه قضى في رجل اشترى ناقة واشترط ثنياها وقال : اذهبوا إلى السوق فإذا بلغت أقصى ثمنها فأعطوه بحساب ثنياها من ثمنها ، فإن استثنى شحم الحيوان لم يصح نص عليه أحمد ، وإن استثنى الحمل لم يصح ، وعنه صحته وبه قال اسحق لما روى نافع ان ابن عمر باع جارية واستثنى ما في بطنها ، والصحيح من حديثه أنه أعتق جارية لأن الثقات الحفاظ قالوا أعتق جارية والإسناد واحد . وإن باع جارية حاملا بحرّ فقال القاضي : لا يصح والأولى صحته ، وقد يستثنى بالشرع ما لا يصح استثناؤه باللفظ كما لو باع جارية مزوجة . ويجوز بيع ما مأكوله في جوفه لا نعلم فيه خلافاً . ويجوز بيع الطلع قبل تشققه مقطوعاً وفي شجره ، وبيع الحب المشتد في سنبله . ويجوز بيع الجوز واللوز والباقلاء في قشره مقطوعاً وفي شجره ، وقال الشافعي : لا يجوز حتى ينزع قشرة الأعلى لأنه مستور ، ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها . والحيوان المذبوح يجوز بيعه في سلخه .

( السابع ) أن يكون الثمن معلوماً فإن باعه بمائة ذهباً وفضة لم يصح وقال أبو حنيفة يصح ويكون نصفين . وإن قال : بعتك بعشرة صحاح أو إحدى عشرة مكسرة وبعشرة نقداً أو عشرين نسيئة لم يصح لأنه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعتين في بيعة وهذا هو كذلك فسره مالك وغيره وهذا قول أكثر أهل العلم ، وروي عن طاوس والحكم وحماد أنهم قالوا : لا بأس أن يقول : أبيعك بالنقد بكذا وبالنسيئة بكذا فيذهب إلى أحدهما ، وروي عن أحمد فيمن قال : إن خطته اليوم فلك درهم وإن خطته غدا فلك نصف درهم أنه يصح فيحتمل أن يلحق به البيع وأن يفرق بينهما . وإن باعه الصبرة كل قفيز بدرهم صحَّ وإن لم يعلما قدرها ، وقال أبو حنيفة يصح في قفيز واحد ويبطل فيما سواه لأن جملة الثمن مجهولة . وإن باعه من الصبرة كل قفيز بدرهم لم يصح لأن العدد منها مجهول ، ويحتمل أن يصح بناء على قوله إذا أجر كل شهر بدرهم قال ابن عقيل : هو الأشبه . وإن قال : بعتك هذه الصبرة بعشرة على أن أزيدك قفيزاً أو أنقصك قفيزاً لم يصح لأنه مجهول . وإن قال قفيزاً من هذه الصبرة الأخرى أو وصفه بصفة يعلم بها صح . ويصح بيع الصبرة جزافاً مع جهلهما بقدرها لا نعلم فيه خلافاً لقول ابن عمر : كنا نشترى الطعام جزافاً ألخ . ولا يضر عدم مشاهدة باطن الصبرة .. وكذلك لو قال بعتك نصفها أو جزءاً منها معلوماً . ولا فرق بين الأثمان والمثمنات في صحة بيعها جزافاً ، وقال مالك لا يصح في الأثمان لأن لها خطراً ولا يشق وزنها ولا عددها . وإن كان البائع يعلم قدر الصبرة لم يجز بيعها جزافاً ، وكرهه عطاء وابن سيرين ومجاهد وبه قال مالك وإسحق ، قال مالك : لم يزل أهل العلم ينهون عن ذلك ، ولم ير الشافعي بذلك بأساً لأنه إذا جاز مع جهلهما فمع العلم من أحدهما أولى . وروى الأوزاعي أنه صلى الله عليه وسلم قال : ’ من عرف مبلغ شيء فلا يبعه جزافاً حتى يبينه ’ وقال القاضي وأصحابه : هذا بمنزلة التدليس إن علم به المشترى فلا خيار له وإن لم يعلم فله الخيار وهذا قول مالك ( وذهب بعض أصحابه إلى أن البيع فاسد والنهي يقتضي الفساد ) . فإن أخبره بكيله ثم باعه بذلك صح ، فإن قبضة باكتياله تم ، وإن قبضة بغير كيل كان بمنزلة قبضه جزافاً ، فإن كان المبيع باقياً كاله فإن كان قدر حقه فقد استوفى وإن زاد رد الفضل وإن كان ناقصاً أخذ نقصه . وإن تلف فالقول قول القابض في قدره بيمينه . وليس للمشتري التصرف في الجميع قبل كليه لأن للبائع فيه علقه . ولا يتصرف في أقل من حقه بغير كيل لأن ذلك يمنع من معرفة كيله ، وإن تصرف فيما يتحقق أنه مستحق له مثل أن يكون حقه قفيزاً فيتصرف في ذلك أو في أقل منه بالكيل ففيه وجهان ، فأما إن أعلمه بكيله ثم باعه إياه مجازفة على أنه له بذلك الثمن زاد أو نقص لم يجز ، لما روى الأثرم بإسناده عن الحكم قال : قدم طعام لعثمان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ’ اذهبوا بنا إلى عثمان لنعينه علىطعامه ’ فقام إلى جنبه فقال عثمان : في هذه الغرارة كذا وكذا وأبيعها بكذا وكذا ، فقال رسول لله صلى الله عليه وسلم : ’ إذا سميت الكيل فكل ’ قال أحمد : إذا أخبره البائع أن في كل قارورة منّاً فأخذ بذلك ولا يكتاله فلا يعجبني لقوله لعثمان : ’ إذا سميت الكيل فكل ’ قيل له : إنهم يقولون : إذا فتح فسد ، قال : فلم لا يفتحون واحدة ويذرون الباقي . ولو كال طعاماً وآخر يشاهده فلمن يشاهده شراؤه بغير كيل ثان ، وعنه يحتاج إلى كيل للخبر ، ولو كاله البائع للمشتري ثم اشتراه منه فكذلك لما ذكرناه . وإن اشترى اثنان طعاماً فاكتالاه ثم اشترى أحدهما حصة شريكه قبل تفرقهما فهو جائز ، وإن لم يحضر المشتري الكيل لم يجز إلا بكيل ، وقال ابن أبي موسى : فيه رواية أخرى لا بد من كيله . وإن باعه الثاني في هذه المواضع على أنه صبرة جاز ولم يحتج إلى كيل ثان وقبضه بنقله كالصبرة . قال أحمد في رجل يشتري الجوز فيعد في مكيل ألف جوزة ثم يأخذ الجوز كله على ذلك العيار : لا يجوز ، وقال في رجل ابتاع أعكاماً كيلا وقال للبائع كل لي عكماً منها وآخذ ما بقي على هذا الكيل : أكره هذا يكتالها كلها ، قال الثوري : كان أصحابنا يكرهون هذا وذلك لأن ما في العكوم يختلف والجوز يختلف ، وإن باعه الأدهان في ظروفها جملة وقد شاهدها جاز وكذلك العسل والدبس والمائعات التي لا تختلف ، وإن وجد في ظرف الدهن ربا فقال ابن المنذر : قال أحمد وإسحق إن كان سمانا عنده سمن أعطاه بوزنه سمناً وإلا أعطاه بقدر الربّ من الثمن ، وألزمه شريح بقدر الربّ سمناً بكل حال . وإن باعه بمائة درهم إلا ديناراً لم يصح ذكره القاضي ، ويجيء على قول الخرقي أنه يصح .







طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق