فـي مدرســـــة الإســـــــــلام الصفحة 1 من 9

بواسطة: عبد الباقي يوسف

تتالت النداءات على مسمعه متداخلة بأزيز الريح وطقطقة احتراق الخشب في الموقد المستقر بجنبه، رغب بفتح عينيه لكن النعاس حمله مرة أخرى إلى السكينة ، لقد تناول أربعة أقراص منومة منذ ساعتين والآن يستمتع بالهدوء الذي يسري في عروقه ، تناولها على جرعات متلاحقة ليتغلب على البرد من جهة ، ويتمكن من النوم الذي لم يذقه طيلة ثلاثة أيام سابقة ولكن النداءات ذاتها لبثت تتوالى عليه دون انقطاع ، أحس بثقل جبل في جسده لدرجة عدم قدرته لإبداء أي حركة تشجّعه على فتح عينيه ، لبث متنقلاً بين النوم واليقظة وأحس بلحظة أنه زوج لامرأتين ، المرأة الأولى هي النوم ، والثانية هي اليقظة ، وليس هو لكنها رموشه التي أخذت تستيقظ هنيهة هنيهة وتتباعد مثلما تتباعد غيوم عن شمس محتجبة ، عندئذ أخذ كل ما في الخيمة شكل أشباح تدور حوله تارة ، ويدور حولها تارة أخرى . تشبثت كفاه بطرفي الإسفنجة التي يتمد د عليها، وحدها نيران الموقد تبدد الظلام وتحيل الأشياء المحيطة إلى أشباح تتراقص ، أدرك للتو أنه يكاد يختنق عطشاً ، وأن نسبة الماء في جسده هبطت إلى درجة. مد يده إلى بيدون الماء أمسكه بيده وكأنه سفينة النجاة ، رفع رأسه قليلاً إلى أن تمكن من التقاط فم البيدون بفمه فأخذ يمتص الماء البارد ويشعر بأنه يخترق عروقاً قاحلة يمدها بالحياة ، لم يكن يصدق أن كمية الماء كلها فرغت في جوفه لولا أنه شعر بفراغ البيدون ، عندها قذفه بعشوائية وجلس القرفصاء على الإسفنجة واستطاع أن يميز صوت ابنه هذه المرة ويميز الكلمات التي يقولها . لملم أجزاءه المشتتة ووقف على قدميه ، لكنه سقط في مدخل الخيمة ، بدت الرغبة في النوم أقوى من مقاومتها وبدا الخروج كالموت .
لا يدري أي جزء من الليل تمضّى ، وأي جزء منه تبقى ، لكن النداءات المستغيثة تبعد احتمال أي محاولة نوم أو حتى استرخاء ، إنها نداءات ابنه الوحيد في هذا العالم ، ابن الخامسة عشرةالذي هو الآخر لاأحد له في العالم كله سواه ، هذه النداءات ذاتها استطاعت أن توقفه على قدميه مرة أخرى ليخرج إلى ضفة النهر ، ويرى علامات الابن من خلال الضوء الموجه إليه وهو يعطي إشارات الالتحاق به في المركب الواقف على مسافة خمّنها رغم ثملة بكيلو متر .عندها وضع إصبعين من أصابع كفه اليمنى في فيه وأطلق صفير الاستجابة ، فانطفأ ضوء البيل وتوقفت النداءات ، ترك ثيابه على الضفة تحت حجرة ملساء وقذف بجسده المترنح في المياه ، تحسس حرارتها وهو يمضي في الاتجاه غطساً فيشعر أثناء عملية الغطس بأنه يدخل تحت بطانية فيواصل العوم تحت الماء ، وبغتةً أحس بخفقات شديدة في قلبه اضطرته إلى التمهل ، تناولته نوبات إقياء حادة ، واستولى ألم مباغت على جهة الرأس اليسرى ، تهدلت عضلاته ، انقلب يواصل السباحة على ظهره من خلال ما تبديه يداه بحركات متباطئة على سطح الماء وقد صدرت منه غرغرة : الحقني يانجم . كان إذ ذاك قد قطع ثلاثة أرباع المسافة ، رأى نجم الذي تناهت إليه غرغرة الاستنجاد أن أباه سيغرق ، وتذكر للتو أنه تناول الأقراص المنومة ، وماكان عليه أن يناديه ،لابد أنه نعس الآن لا يقوى على الاستمرار في العوم ، وعلى عجل ربط الحبل الطويل ببطنه وقذف جسده في النهر وهو يحس بقوة عشرين رجل تندفع إليه 0 كانت المرة الأولى التي يستجديه فيها الأب ، ذاك الأب الصارم القاسي الملامح القوي البنية كالجبل ، ناول لأبيه الحبل المعتض بالمركبة ثم آب إليها يسحب الحبل إلى أن أمسك بيديه وأعانه في الصعود على ظهر المركبة . إتجها إلى الشبك الذي كان خلف كل تلك النداءات . لقد كان ما علق به فوق قدرة نجم ولذلك استنجد بأبيه ليعينه على سحب السمكة الضخمة قبل أن تفلت وهذا الثقل ذاته منعه محاولة قيادة المركبة التي تربط الشبك ، مد الأب يديه إلى الشبك وأخذ يتفنن بسحبه والشبك يستجيب رويداً رويداً مع الحركات المتقنة بمهارة ، ونجم يلتقط تلك الحركات ويختزنها في ذاكرته. بهتا في فجاءة الاحتمالات عندما لاحت أسمال من بين الشبك ، تبادلا نظرات الهلع بيد أن الأب لبث يستجر حتى تبد ت امرأة غارقة بكامل ثيابها الشتوية 0ترك بشري كل شيء وكأنه لم يعد قادرا على مقاومة حالة الإنهاك التي استبدت بعضلاته ، تمد د منهوك القوة في أرضيةالمركبة يتقفقف، عند ئذ أخذت خيوط بيضاء تبدد ظلمة الليل ، بعد دقائق معدودة نهض محاولا مقاومة الإنهاك ، هز رأسه هزات سريعة في محاولة لاسترداد صفاء الذهن ، وثب بحركة رياضية نشيطة ووقف أمام المرأة المشبوكة : ماذا سنفعل يا بشري ؟ ! . قالها نجم وقد اعتاد أن يناديه باسمه في المواقف الجدية . أشار إليه الأب أن يوجه المركبة إلى الخيمة وفي أثناء الاستدارة غدا يحل عنها الشِباك إلى أن أخرجها كما يُخرج سمكة ، وقفت المركبة على الشط فحمل بشري الغريقة على ذراعية داخلا الخيمة والماء يسح من فمها بغزارة ، وضعها على الإسفنجة : سندفنها يا نجم . قالها بلهجة لا تقبل النقاش وخرج من الخيمة ، فلحقه الابن يبحثان عن موضع بالقرب من الخيمة ، ولما رأياه عادا إلى الغريقة لحملها إلى الحفرة ، عندئذ وكأنهما يرياها للتو لفتت الثياب الشتوية الكثيرة أنظارهما، تلك الثياب التي توحي بأنها تنتمي إلى عائلة ثرية ليست من القرى المجاورةعلى قدر ماهي ابنة مدينة. أشار لابنه أن ينزع عنها كل تلك الثياب ويبقيها بثوب واحد، وانصرف ينتظر في الخارج ،عند ذاك انبعث صوت فزع من الابن وهو يهرع كالسهم الطائش إلى أن سقط على مسافة بعيدة، لحقه الأب فزعاً، حمله على ذراعيه إلى النهر، هناك انتفض الإبن ورمى بنفسه في حضن أبيه والهلع يسيطر عليه: تحركت الميتة عندما نزعت عنها الثياب .
قال الأب: هذا تبدّا لك .
قال: ليست ميتة!.
قال: لكنها ميتة.
وامتنع الابن الاقتراب من الخيمة .. دنا الأب بخطا وئيدة صوب الخيمة وكأنه يدنو إليها أول مرة ، مد قدمه بشيء من تردد وولج ، كانت بعض الثياب مرمية بجانبها فمد يده إلى جبهتها ، سمع أنيناً خافتاً، مدّ رأسه إلى الخارج وهتف : تعال يا نجم إنها حية . ثم عاد يوقد النار بالقرب منها ، يخفف من ثيابها المبلولة ويغطيها بكل ما في الخيمة من ثياب ناشفة إضافة إلى البطانيتين الوحيدتين ، وفي لحظة خاطفة وهو في ذروة الانشغال لتوفير دفء للغريقة قفزت إلى مخيلته / باهرة/ المرأة الوحيدة التي دخلت حياته وأمضى معها ست سنوات من عمره، قفزت مهنة المحاماة إلى ذاكرته ، تذكر مكتبه ، زبائنه، مرافعاته، قضاياه، دعاويه،زملاءه، قصر العدل ، كل ما كان يملأ عالمه ، شقته المغلقة وسط المدينة تلك الشقة التي لا يتصور نفسه أن يفتح بابها ، وتذكر صبيحة الإخفاق الكبرى ، تذكر الساعة العاشرة التي عاد فيها إلى البيت وقد نسي إضبارة أحد أصحاب الدعاوى فرأى زوجته متوفية كان نجم آنذاك في الخامسة من عمره،ورأى نفسه وحيداً في العالم مع ابنه ، مزق إجازة الحقوق ، ترك كل ما يعنيه في المدينة ، حمل ابنه واتجه إلى أي فسحة تبعده عن ضجيج المدينة ، فسحة بعيدة عن الناس ، رأى بأنه لن يحتمل البقاء ليلة واحدة في هذا الضجيج ، اتجه صوب النهر ولجأ إلى خيمة أحد الصيادين ، أحس بأن رؤية الماء تخفف عنه هول الصدمة التي يبذل محاولاته لنسيانها وكأنها لم تقع ،كان يقول لنفسه أن كل شيء في هذا العالم ممكن الحدوث حتى تلك الأشياء التي لانتوقع حدوثها ولو بنسبة واحد بالمئة ، بعد أيام استقر على فكرة شراء خيمة وعدّ ة صيد ، وراح ينصب خيمة على بعد من الصيادين . عشر سنوات متواصلة أمضاها في هذه الخيمة، عشر سنوات لم ير فيها وجه المدينة ، يرفض لقاء أي شخص مهما كان قريباً، وسنة بعد سنة يكبر معها نجم إلى أن أصبحا صديقين يمكن له أن يذهب إلى السوق ويجلب كل حاجات الخيمة، يمكن له أن يقبض قيمة السمك من التجار الذين يأتون ويشترون منه على النهر ، عشر سنوات لم يشتر ثوباً ، لم يرتد حذاء جديداً ، ويتمتم لنفسه بسرية : مادمت قادراً على الصيد فإنني سأكون بخير، وعندما يحل أجلي فإن هذا الرجل الصغير سيكون قادراً أن يحفرلي حفرة صغيرة : / يا شجرة الخوخ عند بابي إذا لم أعد يوماً فالربيع آت دوماً ازهري أنت / . في المساء استطاعت الضيفة أن تفتح عينيها وبشري يقدم لها وجبة من السمك وبعض فاكهة أحضرها نجم للتو من السوق، قالت وهي تفتح عينيها وكأنها استفاقت من نوم دام سنة : في أي سماء أنا، ثم رنت إليهما : عند أي ملكين أكون؟0

قال الرجل بوقار: كنت عالقة في شباكنا وأتينا بك إلى هنا ، هذا ما جرى فجر اليوم . ثم خرج ليلحقه ابنه حتى تتناول شيئا من الطعام ، وبعد ساعة عادا ليرياها قضت على قسم من السمك والفاكهة .
قالت : كنتُ جائعة ، يبدو بأن الطعام أعاد إلي بعض وعيي ، الآن أدرك ماحدث ، لكن بحق الله هل لكما استضافتي لأيام إلى أن أتدبر أمري .. الليلة أو غداً سيأتون يبحثون عني في النهر ..أطلب منكما أن تخفياني عنهم . ما قالته المرأة حدث بالفعل ، ففي صبيحة اليوم التالي جاءت دوريات من الشرطة والغواصين يبحثون في عن فتاة قيل بأنها غرقت في النهر وطيلة شهر كامل لم تنقطع السيارات عن المكان ، حتى رجال الشرطة لبثوا يمشطون الموقع إلى جانب الغواصين الذين يبحثون عنها في كل مكان من النهر المسجور حتى فقدوا أمل العثور عليها ، لكن الناس لم يفقدوا الأمل عندما علموا أن من يعثر عليهاحية أو ميتة له مكافأة بمئتي ألف ليرة ، وكان هذا يدفع حشوداً كبيرة من الصيادين و الغواصين للبحث ليلا نهاراً علّهم يجدوا لها أي أثر فينالوا المكافأة المجزية . ذات يوم لاتدري كيف خرجت منها عبارة : ألا تفكر أن تمنح نجمك مئتي ألف ليرة ؟ .
أحست ذكرى بأنها جرحته فطلبت من نجم أن يعتذر بدلاً عنها .

فتاة فتية في الثانية والعشرين ، وجهها دائري كأن النور يشع منه ، تتمتع بلياقة صحية ، تتقد بالنضارة والحياة ، تنضح بالقوة والنشاط ، تتبع نظاماً دقيقاً للاهتمام بصحتها حتى يبدو للناظر إلى فمها أنها تغسل أسنانها سناً سناً في اليوم ثلاث مرات ، ترتدي ثياباً سوداء تمنح جمالاً مدهشاً لبشرتها وقامتها ورشاقتها ، يبدو للناظرة من جهة أخرى أن هذا التناسق الجسماني الذي تتمتع به هو الذي يمنح السواد كل ذاك الجمال والجاذبية ، شعرها أسود طويل كثيف ينزل إلى منتصف الظهر إذا ما أسدلته ، لكنها على الأغلب تلفه وتغطيه بإشرب أبيض فيزيد الوجه دائرية ونوراً وإشراقاً، تقيم كل صلاة في وقتها، لا تكاد تبدي حركة إلا وتذكر معها الله وهي مع الأيام تتخذ نظاماً دقيقاً في النظافة والاهتمام بنوعية وتنوع الطعام، ولا يخفي بشري عن نفسه بأنه يشعر بشيء من الارتياح لهذا التغير المفاجئ الذي طرأ على نمط العيش في عزلته ، وهو الذي قرر أن يتخذ من اللامبالاة والفوضى طريقة جديدة لحياته، لكن ما لهذه المرأة- التي تبدو له وقد هبطت عليه من المجهول وليس هو الذي سحبها من النهر شبه ميتة- تأتي بهذا التغيير وهو يستجيب بليونة وود لما تطلب من أدوات التغيير للعيش في هذه الخيمة المنعزلة حتى أنه تجرأ وقال لها بلهجة إعتذارية : أعتذر لأنني عاجز من القيام بتقديم شيء يعيدك إلى أبيك سالمة ؟0 قالت : لو لم أرك بهذا النقاء لترددت طويلاً قبل إتخاذ قرار البقاء ، ولكنني ما ترددت ساعة واحده عندما رأيتك فيما أنت فيه .
مع بدء فصل الربيع هدأت الأوضاع ويبدو أن الناس الذين تفرغوا للبحث عنها غدوا على يقين بأنها لم تنتحر في هذا المكان وهكذا فحتى أهلها انقطعوا عن التردد وبدأوا يفكرون بمكان آخر لجأت إليه، لكن أمها بقيت مصرة على أنها رمت نفسها في النهر ، فذكرى دوماً كانت تقول لها بأنهم لو أجبروها على هذا الزواج من كافور فإنها ستلجأ إلى الموت عبر النهر لأن الماء هو الأمان وهو الستر، هذه الأقوال كانت ذكرى تكررها على مسمع أمها حتى أنها في صبيحة الاختفاء قالت لهم جازمة : إنها في النهر.. لقد ذهبت إلى هناك .
صار بمقدور ذكرى أن تخرج من الخيمة نهاراً بعد أن بقيت نحو شهرين حبيسة الخيمة لا تجسر على الخروج إلا هنيهات قليلة في منتصف الليل عندئذ بدأت تحس بآلام في صدرها ومعدتها وخاصة في الليل فتشعر بأن أمعاءها تتمزق وأن صدرها ساحة حرب، إقترح بشري أن يأخذها إلى الطبيب ، لكنها خشيت أن يراها أحد في المدينة ويخبر أهلها فآثرت السقام على عودتها مهزومة للبيت0 بدأت الآلام تغزوها حتى إنها لم تعد قادرة على النهوض من الفراش وأخذ جسدها في الذبول وفي لحظات يخطر لبشري إنها تودع الحياة ،آلمه هذا الشعور واهتدى إلى فكرة ان يأخذها للعلاج في مدينة أخرى ويبدو أن ذكرى لم يبق أمامها إلا أن تتحدى خوفها وتخاطر بهذه الفكرة وهي تميل لنمط جديد من الحياة . طلب بشري من ابنه أن يذهب إلى المدينة لشراء بعض الحاجات ، ثم صمت قليلا وقال له بأن يجلب عدة حلاقة 0 افترت بسمة على ثغر نجم بهذا الطلب وهو يتخيل أن أباه يزيل هذا الشعرالكثيف الذي ملأ وجهه بشكل عشوائي ، وكان في السنوات السابقة عندما يضيق وجهه بالشعر الزائد يحمل مقصا صغيرا ويخفف مايراه يزيح الضيق عن وجهه الدائري . عند الظهيرة اتجه نجم إلى المدينة، ابتاع لها ثياباً واتفق مع سيارة خاصة على موعد لأخذهما إلى العاصمة . وقف بشري طويلا أمام المرآة وهو ينظر في ذقنه ، في هذا الوقت أمسكت ذكرى بيد نجم وخرجا حتى يبعدا عنه الحرج وهو يحلق ذقنه بشكل جيد لأول مرة منذ عشر سنوات .







طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق