دوائر الظلال الصفحة 1 من 8

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

قبل الحادي عشر من سبتمبر اعتقد بعضُ العرب والمسلمين أن الغرب والولايات المتحدة قد وصلوا إلى مرحلة التفهُّم الحضاري للوجود العربي الإسلامي، ضمن دواوين الأمم والشعوب والثقافات، بل وانطلق الكثير من الكتَّاب والمفكِّرين إلى تمجيد الرُّؤَى الغربية والشرقية، التي تجاوزت عصور الأحقاد والضغائن والكراهية المُبَرْمَجة للثقافة الإسلامية، فأصبحوا روَّادًا للفكر الغربي الذي كان ينتشر بين المثقَّفين - أو بالأصح: مدَّعي الثقافة - للوقوف أمام الفكر الإسلامي والنهضة الإسلامية، على أنهما جزء من زمن ولَّى واندثر، وفَقَد قدرته وبريقه وتأثيره، إلا القدرة على التخلف، والقتل، والجريمة، والعنف، والارهاب.

وأصبحت الحركات والأحزاب والجماعات الإسلامية هدفًا واضحًا، بطريقة طلية جذَّابة ممنطقة لأقلام المتغرِّبين والغربيين ومَن هو مثلهم في الدول الشرقية، وتحوَّل قادة العالم الإسلامي من أقصاه إلى أدناه، بفعل تَبَعيَّتهم المطلَقة وغير المحدودة للقُوَى العالمية الفاعلة والقادرة، والناهضة بالصناعة والتكنولوجيا والعلوم، والأهم العلوم العسكرية والحربية المتطورة والفتَّاكة، والقوة الاقتصادية التي تركَّزت في بقعة من الكرة الأرضية، بل وفي أيدي نخبة محدودة داخل العالم، تحوَّلوا إلى منفِّذين بارعين ومحترفين، لتسويق أفكار السادة، ومؤدِّين دَوْرَ الحارس الوَفِيِّ، الذي من شأنه أن يمنع انكشاف الحقائق التي أدَّت إلى انقسام المجتمع الإسلامي انقسامات موزَّعة بين الجهل، والتبعية، والانبهار، والخيانة، والتنكر للحضارة الإسلامية والثقافة الدينية.

وليس خافيًا على مَن يتمتع بأقل أدوات الوعي والإدراك، بأن الأمم تتعفَّن وتصدأ، وتنهار وتتهاوى حين تَفقِد حلقة الوصل بين حاضرها وماضيها؛ للارتقاء بالمستقبل وتكوينه، هذه كانت مهمة أنظمة الحكم في الوطن الإسلامي، ومَن يقترن بها، ومَن يخاف على مصالحه المنتفخة، عن طريق التشوه والتشويه، إذا ما كان هناك نفوذٌ للفكر الإسلامي على أرض الواقع والتطبيق.

يشهد على ذلك الصدامات المسلَّحة والدامية بين الحركات الإسلامية وأنظمة الحكم في الوطن الإسلامي، حين تم إقصاء الحركات الإسلامية عن العمل السياسي، والمشاركة الفعلية في بناء المجتمع والدولة الإسلامية المعاصرة، صراعاتٌ عَصَفتْ بدولٍ إلى حد لم نتمكَّن حتى الآن من إحصاء عدد القتلى الذين سقطوا في السجون وتحت سطوة أنظمة التعذيب، حتى تم تسجيل ملاحظة واضحة في نَفْس المواطن المسلم ورُوعه، بأن الاقتراب من اللحية، أو المساجد، أو الغَيرة على الدين يمكن أن يُوصِله في رحلة مجانية إلى ما وراء الشمس.

وهذا ما أدَّى بدوره إلى ظهور طبقات في المجتمع لا دخلَ لها بفضيلة، أو خلق، أو سلوك حسن؛ لتقول، وتقود، وتنشر في المجتمعات ما شاءت من مخالفات ليس للشرائع الإسلامية فقط، بل وللعرف والتقليد العربي؛ فنشأتْ مجموعةٌ ضخمة من الكتَّاب الذين لم يتحسَّسوا مشاكل المجتمع بما فيه من فقر، وتخلف، ومآسٍ، وحزن، يكاد يمزِّق نياط الروح والقلب، وجلُّ ما رَأَوه الكتابة عن قصص الحب المُتْرَفة، والغارقة بتفاصيل الجنس والرذيلة إلى حد تعافُه العقول قبل أن يعافه الشعور، وانطلقت مجموعاتٌ أخرى تَلْهَث خلف القادة وبِطانتها، وخلف الاستعمار وأطيافه، وأخرى خلف الجاه والشهرة مهما بَهَظ الثمن وارتفع سهم التنازل والتلون والمحاباة، تَبِع هذه المجموعات ما يسمَّى بدار الخيال - ورجال ونساء فنِّها - وكذلك الرائي؛ فاستبسل أصحاب تلك الصناعة في ابتكار القصص والروايات المغذَّاة على الجنس والسقوط والانحراف والرذيلة، بطريقة تثير الدهشة والتساؤل، بل وتُخرِج الرأس من مكانه، فما كان من المحرَّمات في العرف والتقاليد والنخوة العربية، قبل أن يكون من المحرمات شرعًا ودينًا؛ أصبح مباحًا إباحة مَحَقت المروءة والعزة والطهارة العربية، وسَحَقت التعاليم الأخلاقية التي ركَّزها الدين ووطدها كعلامات من فضائل لا يمكن التنازل عنها، أو إنكار بَكَارتها ونقائها وصفائها.







طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق