ذات موت الصفحة 1 من 7

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

رنَّ الهاتف.
أتدري ماذا حدث؟
• لا.
خالي خالد مات.

أغلقت الخط، لم أُصَب برجفة أو رعشة، لم يقتحمني ذهول أو صدمة، لم يتملَّكْني حزن أو أسًى، حتى إنني لا أذكُر بأنَّ وقْع كلمة الموت قد وصل إلى أقل مسامةٍ من مسامات جِلدي، أو إلى أصغر مساحة من مساحات نفسي.

وما هي إلا ثوانٍ حتى نسيتُ بأن خبر وفاة أخي قد نقل لي، فعدتُ إلى ما كنت عليه من أمر الحياة والبقاء، وانتقلت من واجب إلى واجب، ومن تتبُّع إلى تتبع، ومن انشغال إلى انشغال، كان خبر الموت -وخلال ثوانٍ قليلة-قد غادَر ذاكرتي تمامًا كما يغادر قصف الرعد الذاكرة فور تلاشي وقعِه على السمع.
رن الهاتف.

كانت ابنة أخي من الأردن تبكي وتسألني إن سمعت بخبر وفاة أخي؟ اندفعت بضحكة طويلة استهجانًا لبكائها، أصيبتْ بالدهشة القوية، قالت: كيف تمكَّنتَ من الضحك وأخوك ميت؟

سؤال غريب!

بعد يوم أو يومين، تحدث معي أخي قائلاً: ابنتي تتساءل: هل يمكن أن تقابل خبرَ موتنا بذات الضحكة التي قابلتَ بها موت خالد؟

قلت ما قلت، وقال أخي ما قال، وشرَحْنا لابنته ما شرحنا.

وكان حقًّا علي وفاءً لكرامة أبي وأمي أن أقول ما سأقول الآن.

هي رواية الوفاء والعرفان بالجميل، واكتمال اللحظات الخارجة من بؤرة النور إلى بؤرة الحقيقة، فإن كان والداي - رحمهما الله رحمة مغدقة من كرمه وجوده اللذين لا يوصفان ولا يحدان ولا يؤطران، رحمة لا تبدأ من لحظة وتنهى بلحظة، بل تمتد امتداد كرمه وجوده - قد غادرا الدنيا، وانطويا في ملكوت الحق، فلا لسان ينطق أو يذب، ولا عين ترى لتستهجن، ولا أذن لتستغرب، فإنهما تركاني على هذا الوجود، أحمل لهما في عنقي قدرةَ الوقوف على رأس البركان وفاءً وعِرفانًا، فلا يمكنني الصمتُ على كذب أو تدليس أو تشويه نالهما أو سينالهما من غريب أو قريب، وحتى من أخ كنت أستعد للسفر من أجل أن أُثاويه التراب بعد أيام من موته.







طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق