ذات غربة الصفحة 1 من 10

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

قيل لنا ذاتَ مقام بأن في الغربةِ فوائد، أحصى الإمام الشافعيُّ منها خمسًا، وقالت العرب زيادة على ذلك.

ربما! وربما ذات قول فيه الكثير من الأمل والتمني والتَّوْق والتطلُّع، وربما فيه من تجربة الذاتِ ما يغني عن تجربة السمع وفهم الذوات الأخرى، وربما يكون لـ(ربما) الكثيرُ من التحليلات والاشتقاقات والاصطلاحات، ليس عندي فقط، وإنما عند الفلاسفة والشعراء والمفكِّرين والعلماء، كـ(حتَّى) التي حتحتت عقول أصحاب اللسان واللغة من علم ومعرفة.

وربما تكون (ربما) أكثر إعجازًا وحتحتةً لعقول العلماء والفلاسفة وأصحاب الرُّؤى والنظريات والقوانين، ليس لأني قائلها الآن وواضعها في مصافِّ المعجزة؛ بل لأنها تحمل الماضي والحاضر والمستقبل وما بينهما في نفس خمسة أحرف فقط، ولو جاء كل أصحاب العلم وادَّعوا أنهم يفهمون الماضي إمعانًا منهم وإصرارًا في تنفيذ منابت الوهم، لقلتُ لهم بجواب مُفحِم كلمةً واحدة تتكون من أحرف خمسة: ‘ربما’؛ لهذا ‘ربما’ يمكنني القول بأن الفوائد التي أحملها للغربة هي منافية ومختلفة لما في القول من أثر، ففوائد الغربة عندي حطام فوق حطام.

كنت قبل الرحيل في ذات وطن، فيه نشأت، وعلى أعتاب حدقاته ومن بين رموشه انتصبتُ ومررتُ، وحين كان الصبح يُرسِلُ أول أنفاسه مع ندى مخضل برائحة السماء الممتدة، كان الحَمَام يهدلُ للخرير المتأنق في لمسة الموسيقا التي تُنشِدُها جدائلُ الشمس وضفائر القمر، كنت هناك ألعب مع الخرير لُعْبةَ المساء المشدود بين رحيل نهارٍ وتقدُّم ليلٍ يثغب دماءً تصل إلى حد إلهاب الامتدادات بلون أحمر، تتصاعد من سكونه ألسنةُ لهبٍ يكاد يشقُّ الآماد حتى نقطة النحر.

لم تكن فكرة الوطن، المربى، مسقط الرأس، بقعة الدوران المتواصل، قد تشوَّهت أو اقتربت من التشوُّه بفكرة الانتقال إلى أوطانٍ، ومساقطِ رأسٍ، وبُقَع دوران أخرى، فدوران يختلف عن دوران يُؤدِّي إلى دُوارٍ، لم أكن قد حزمت خبرتي وقدراتي، والأهم إنني لم أكن أودُّ أن أحزم قدراتي وخبراتي في البحث عن أشياء كنت أعرفها في الوطن، لكنني بسبب الهمس الرقيق بيني وبين حدود الأرض، وبسبب الماء الذي كان يتساقط من جبهتي إلى أرنبة أنفي لينقطَ فوق التراب، تراب فوَّاح يدفع الظل المنزوع من شواء الأرض نحو الماء الذي في طريقه من أرنبة الأنف إلى السر الكامن بين السقوط والالتقاط، قالت الروح: عليك أن تموت فوق هذه الأرض.

البقاء، الزوال، كلمتان عسيرتان، لا تفهمان فقط بمعنى الرؤية المادية لبقاء الجسد وزواله، بل تفهمان أيضًا بعمقِهما الروحي، النفسي، الداخلي، بعمق التاريخ الذي قضيتَه وأنت تكوِّن مشاعرك، إحساساتك، تركيبتَك العقلية والنفسية، التركيبة التي مرَّت بمليارات اللحظات والثواني المعبَّأة بزخم الاندماج والغوص في تيار متفاعل بتلاحق المحسوس واللامحسوس، الموصوف واللاموصوف، المرئي وغير المرئي.







طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق