انزواءات الصفحة 1 من 10

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

تلك أيام كانت، وكنا في ردائها السِّحري نحْيا، نتقلَّب، نَمزج صوت الغدران والجداول والأودية وهي تخرخِر بأنفاس السَّرو والصنوبَر، تتلألأ بانعِكاسات متقلِّبة رَجراجة، تُرسل إشعاعات مِن لمَعان مُتذبذِب قصير مُتواصِل، فتخاله أنوار ماس مصقول بعناية ودفء وحذَر وعِشق، تُنشِده البلابل المتوضئة بنعومة الندى المخملية، وانهِمار اللحظات الأولى مِن ضياء شمس يتحسَّس أوراق الشجر المُحتضِن حبات الندى؛ ليُرسل بَريقها إلى قلوب صغيرة مُفعَمة بالنشوة والحُبور واقتِناص الحياة، بتوتُّرات مِن فرح مُندمِج بأحلام حريريَّة تصنَع الخيال الساحر المنتهي والمولود مِن دفقات اللحظات المهاجِرة والمتكوِّنة واقعًا يضجُّ بالنور والضياء والانفِتاح على مُعجِزات الندى وخرير المياه المتداخِلة مِن هَديل حمام مُهاجِر وقَف ليَشكو المسافات، أو يُغنِّي لما تبقَّى مِن أبعاد يَراها بمخيلة لا تُضاهيها مخيلة.

وهناك على أعتاب الوجود، في تلك الأيام الراجِفة المُرتعِدة مِن هَول ما نَحشو بسويدائها مِن ثِقَل الحلم المنذور لغيب يَستتِر في غلالات المجهول المتعمِّق بالقادم.

كنا نساير الزيتون، نُوشْوِشه، نستفيء بظلِّه، نداعب النسمات الشاردة مِن قَيظ متحكِّم بما نحسُّ ونرى، تُشفق النسمات علينا إشفاق أم رؤوم وأب رؤوف، تُبرِّد ذاتها وتأتي إلينا محمَّلة برائحة الظل وخفق برودة مُستلَّة مِن حرارة لاهِبة متأجِّجة، تقتحم أجسادنا، وما أن تلامِس الجِلد، حتى ننتفِض ونَرتجِف، تَخترقنا لذة عارمة، إحساس غريب مشبَع ومُثقَل باللذة التي تُحَسُّ ولا تُفسَّر أو توصَف، تهيج اللذة وتتعاظَم، تتمدَّد في أنحاء الجسد، وتتركَّز عصارتها في الروح ضربات مِن نَشوة تَكاد تَعصِف بالحياة المَسكونة بأعماقنا وتُفتِّتها، تُحوِّلها إلى نتف لا تَكاد تُرى مِن فرح مَغمور ببَريق البريَّة ونسغ الزيتون ولفْح الشمس الذي يضخُّ النور في كل مكان.

على بعد أمتار فقط، سلحفاة حَزينة، مُتكوِّمة على ذاتها، مُرهقَة مُتعَبة، ترى المسافة بينها وبين الظل أميالاً طويلة، تُساوي المسافة بين الشرق والغرب، تمدُّ أطرافها مِن صدفتِها المُدرِّعة لجسدِها، خطوط الزمن والأيام تبدو بوضوح صارِخ، وحين تُخرِج رأسها، تَشعر بكمِّ الزمن المُتغلغِل في كل جُزَيء مِن أجزائها، تتنفَّس، تحس بحرارة الأرض والشمس المعلَّقة بالأفق كتنُّور ضخْم تتساقَط فيه الأشياء لتُزوِّده بحرارة فوق حَرارة،لكنها رغم كل هذا، ورغم رؤيتها للمسافة الفاصِلة بينها وبين الظلِّ، تحلم - كما نحلم - بالوصول إلى نقطة البداية للتمسُّك بظلال لها - في مثل هذا الجوِّ - جَوهر مِن مُتَع لا يُمكن إدراكها، أو تخيُّلها إلا في نواة اللحظة ذاتها.







طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق