انسلالات الإذواء الصفحة 1 من 6

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

اكتب! واكتب! واكتب!

عن ماذا أكتب! وأكتب! وأكتب؟!

عن كل شيء وشيء وشيء! وعن كل حَيرة وحيرة وحيرة!

عن ذاتك! عن الناس! عن الموت المُتمدِّد في أعناق أمَّتنا كتاجٍ مِن نيران تُذيب الصُّخور، وتُسيل الصَّلْد، وتُحيل المحيطات إلى مورٍ هائل مِن الاشتِعال والغلَيان والزفير!

عن الأطفال المزروعين منذ وجودهم بين الصُّلب والترائب في مقابر الخراب والدَّمار، والتنكيل والتهجير، والتشريد واليُتْم، والبُكاء والدُّموع!

عن الأمَّهات الموزَّعة أفئدتهن بين لَوعة وغُصَّة! بين شَهقة اختِناق وزفير رُوح! بين صدمة الثُّكل واليُتْم والفقْد والانزِواء على محطَّات الرصاص والمَدافع والطائرات والسَّكاكين التي تُمزِّق الأوردة والشرايين والأوتار والأعصاب! بين نظَرات الأجنَّة والرُّضَّع والأطفال المتَّجهة نحو اعتِصار الألم وتركيزه في البُؤبؤ والأحداق!

عن الصَّبايا اليافِعات المُحتشِدة بأعطافهنَّ براءةُ الرحمة والحَنان والإيثار والتَّضحية! عن بنات يُنافِسنَ الأقمار والنُّجومَ والكواكب، والأزهارَ والجَداول والنَّقاءَ والصفاء - كلَّ ما في الأعماق من شهد المظهر والجَوهر! عن تلك البنات وهنَّ يَتحوَّلن مِن سَوْسَن وياسمين إلى اصفرار مَصفوع بالحرارة واللهيب! عنهنَّ وهنَّ يَحمِلن السُّخام والسواد والوجَع المنقوع بالعجز والكُساح والشلل على كل نبضة مِن نبضات أرواحهنَّ المسكونة بالتحسُّب والتوقُّع! تحسُّب الوقوع بين أنياب المغتصِبين المنزوعين من الإنسانية والآدمية! وتوقُّع رؤية دماء العَذارى يُسفَك على مرأى الأهل والإخوة والأخَوات والأبناء والأزواج!

عن ذلك الطِّفل الذي يبحث بين الأشلاء! بين الأنقاض! بين الأوصال المنحورة بالمُدى والسكاكين والسواطير! عن بقايا أمٍّ أو أبٍ، أو دفتر رسْم كان قد رسَم فيه طموحًا مغذًّى بأمل المستقبل! عن أخٍ لأخ رضيع كان قبل يوم أو نصف يوم يُجلِسه في حِجره ليُرضِعه الحليب مع الحَنان والأخوَّة ومشاعر العائلة المليئة بالدِّفء والحَرارة المُذهلة التأثير والتكوين والملمَس!

عن تلك الطفلة التي وجَدت رأس أمِّها مقطوعًا ومَقذوفًا ككُرة باليةٍ بين كومات مِن نفايات! وبين بقايا مِن جُثث متفسِّخة تَسيل من أطرافها سيولة تكاد تقتَنص الأرواح مِن رائحتها! فتجد عند الرأس تمامًا عروستها الصَّغيرة في قبضة يد عرَفتْ أنها يد أمِّها! كانت هناك بين الجُثَث وحيدةً! فحيث تنظر يُواجِهها الموت المقطع المجزور المفتت! تزحف رعبًا بعد أن فقَدت القُدرة على الوقوف! بين غابات الموت وأحراش الفَناء! مسكونة بالذُّهول والرعب، والانشِداه والانكِسار، والهزيمة والوجع المعتَّق برائحة الموت! يتعربشها الدود الغازي للجُثث! تحاوِل الصُّراخ فتفشَل! تُحِس بسقوط الشمس بحلْقها! تتسلَّل الزلازل إلى قلبِها الصغير المُثقَل بالخوف والرعب! تحاوِل الوقوف فيَجْتاحها الكُساح! يشعُر الدود بنبضاتها، فيَتساقط بحثًا عن جثَّة ترَكها قبل قليل ليُسكِن رعبًا مضافًا إلى قلبِها الصغير!







طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق