النصف الآخر الصفحة 1 من 4

بواسطة: عبد الباقي يوسف

الجزء الأول
هل سيستطيع أن يعيش بقية حياته بشكل جيد دون امرأة ، هل سيستطيع وكأن ليست ثمة نساء في العالم ، أو أن التي يريدها غير موجودة في هذا العصر . وهل حقا أن ثمة ظلمة في حياة الرجل مهما بدا له أنه في ضوء لايبددها إلا حضور زوجة ورفيقة درب .
إنه يدنو من الخامسة والأربعين وأقاويل كثيرة تثار حول خصوصية الحياة المنعزلة التي يعيشها ، منها تسره ومنها تحرجه ، وهي تصل بأشكال وتلميحات مختلفة سواء مباشرة أو غير مباشرة .
صديقه مدثر الذي تخلى عن شهادته الجامعية بعد الزواج بسنتين وغدا يعمل في التجارة الحرة يقول له كلما يلتقيان في مكان أو يزوره في البيت : أنت رجل محظوظ ياحنيف لأنك لم تتسرع مثلي وتقذف نفسك في حفرة الزواج ، لوكنت تزوجت في الخامسة والعشرين مثلا لم تكن لتحلم بأنك سوف تصدر كتابا واحدا ، ولم تكن لتحلم بكل هذه الأضواء المسلطة عليك . أنت الآن أهم ناقد في البلد ، كل هذا حصل لأنك اتخذت الموقف الصائب وقررت أن تنذر حياتك لعملك فقط ، عملك ولاشيء غيره . بالنسبة لي ياصديقي العزيز وقبل أن أبتلي بهذا الزواج الذي هو أكبر كارثة واجهت حياتي ، كنتُ أعتبر أن أي زواج فاشل هو خير من عدم الزواج والبقاء عازبا ، ووجود أي امرأة في العالم إلى جانب الرجل لهو خير من بقائه وحيدا دون امرأة ،كنت أقول بأن المرأة لولم تكن تسر فإن الأولاد عندما يأتون سيملئون علي الحياة بالبهجة ، لكنني اكتشفت بأن الزوجة في البيت هي رأس السعادة ، وهي رأس التعاسة . منذ لقائي الأول بها علمتُ بأن / مَيس / غبية وأحيانا كنت أرى بأنها أغبى امرأة أنجبتها حواء ، لكنني رغم ذلك كنتُ أواسي نفسي بعدم وجود أفضل منها في حياتي وكأنني كنتُ على شفا حفرة وأن مَيس هي التي ستنقذني من تلك الحفرة ، كان غباؤها يزداد يوما إثر يوم وكنت أقنع نفسي بالانسجام مع ذاك الغباء حتى اعتدتُ عليه لأنه جزء لاينفصل عن شخصيتها . كنتُ في كثير من المواقف أتغابى حتى أتساوى معهافي نمط التفكير لتجنب إشكاليات كثيرة لاتحُمد عقباها ، وسنة بعد سنة كان علي أن أقبل بهذا الدور حتى تستمر حياتي الزوجية بعد أن كثر حولنا الأطفال . وياليتها أنجبت لي أطفالا يسرونني ولو قليلا ، فهي تزرع فيهم سمات الغباء ، وتزرع فيهم شخصيتها حتى أنني أحيانا أراهم صورا مصغرة عنها . أنجبت لي ست بنات ، كل سنة كنتُ أقول لها بأننا سنحدد النسل ويكفي ، وكنت أتفاجأ بها بعد شهرين تقول : أنا حامل ، قد يكون ولدا . حتى أنني اعتدتُ سماع هذه العبارة التي ماعادت تعني لي شيئا لأن الزمام خرجت من يدي وبات من الطبيعي علي أن أسمع عبارتها كل سنة : أنا حامل ، قد يكون ولدا . - وبيني وبينك حتى وجود الولد منها لم يعد يهمني - تخليت من أجلهم عن إجازتي الجامعية وكأنها لم تكن ، نسيتُ القراءة ، حتى كتبك التي تهديني إياها فإنها تستغرق ستة شهور حتى أقرأها ، لم يعد أمامي غير أن أعمل وأرهق نفسي في العمل للبيت الذي كلما أعطيه يقول : هل من مزيد . وأي وظيفة يمكنها أن تلبي كل الحاجات المتراكمة على كاهلي ، وهي التي توبخني كل يوم وتقول بأنها كانت تعيش في بيت أهلها في رغد ، ولكنني أفرض عليها عيشة المتسولين ، ورغم ذلك فهي تحتملني ليس من أجلي ، بل من أجل الأطفال ، ولكنها في حقيقة الأمر لاتريد أن يكون في جيبي شيئا حتى لاأفكر بالزواج ، تصور إنها تقول : مادام يرزخ تحت طلباتنا فإنه لن يرى غير زوجته وبيته ، النقود هي أجنحة الرجال للطيران من البيت والتحليق فوق بيوت أخرى . صار علي أن ألبي الطلبات التي تزداد على كاهلي يوما إثر يوم حتى رأيتني دخلت حياة جديدة لم يكن لي عهد بها وانسحبتُ من حياتي التي ألفتها تاركا كل الأحلام خلفي . ولم يعد لي عزاء من كل ذاك الماضي المجيد الذي كنت أعيشه قبلها غير هذه السهرات التي تجمعني مع أصدقائنا كل شهر وأستعيد فيها ولو شيئا من رائحة حرية ومجد الماضي الذي يرفرف في فضاء مخيلتي كحلم بعيد .
إن أردت أن يلحق الضرر برجل بينك وبينه خصومة لاتقل له غير : فليرزقك الله بزوجة غبية ، ويكفيه ذلك أذى .
كل هذه العبارات تتردد في مسمعه كلما ينظر إلى امرأة ويخفق قلبه لها فيمضي وكأنه بلاقلب .
في العام الماضي عندما كرمته رئاسة الجامعة بمناسبة صدور كتابه السادس الذي ميزه بالقراءة الواعية للروايات التي تناولها وبنضج الرؤية النقدية التي يكتب بها ، دنا إليه صديقه مناف وسط الحشد و أضواء كاميرات التصوير وضجيج التكريم قائلا بصوت شبه مرتفع وهو يدنو بفمه إلى أذنه : / الكتاب من حِلية الملائكة / وهذه السعادة التي أنت بها الآن بهذه المناسبة التي أنت نجمها كانت ستتضاعف فيما لو كانت إلى جانبك زوجة وأولاد يفتخرون بكل هذا التكريم الذي كانوا سيتقاسمون حلاوته معك ويعتبرونه تكريما لهم أيضا ، وكنت ستشعر بسعادة أخرى غدا في البيت عندما كانوا يشاركونك مشاهدة هذا التكريم على التلفاز ، كان الأولاد سيفتخرون بك أمام أصدقائهم وهم يخبروهم بموعد بث التكريم ، وكانت زوجتك تخبر كل أقربائها وصديقاتها وتفتخر بك وكأن التكريم هو لها ولأولادها . سعادتك الآن ياصديقي ناقصة لأنك تشعر أن لاأحد يشاركك بها ، ثم أردف بنبرة أكثر جدية قريبة من الأمر : يا أخي إن كنت لاتستطيع أن تجد لنفسك امرأة من كل هذه الجامعة التي أنت أستاذ نجم فيها ، فدعنا نتصرف ، / مهجة / سوف تختار لك زوجة مناسبة من بين صديقاتها .
قال له مبتسما : ولكن هل بمقدور الرجل أن يقع على امرأة كل يوم بحجم / مهجة / كما وقعت أنت عليها . وكان دوما يصارحه بأنه لو وجد امرأة شبيهة بمهجة لما تردد من الزواج بها لحظة واحدة . يذكر أنه بعد تخرجه بثلاث سنوات جاءه مناف يقول بأنه وقع مصادفة على فتاة سحرته بكل شيء فيها ، كان يتحدث عنها كما لو أنه يتحدث عن امرأة ليس لها وجود إلا في الحلم ، وشاء أن يعرّ فه بها عندما زاراه في البيت ، وعندها أدرك كم أنه سيكون محظوظا مع تلك المرأة ، وكم ستكون محظوظة معه . يذكر بأنه عندما قدمها له لأول مرة قال : هذه مهجة ، وجدتها على الأرض ، ثم بعد الجلوس شرح له كيف أنه فقط في الأسبوع الماضي تعرف عليها عندما زارته في العيادة بسبب بعض التشنجات في المعدة ، وعرف بأنها معلمة تخرجت للتو وتدرّس في قرية نائية ، لم يكن وضعها الصحي يستوجب المراجعة لكنه قال لها بأن تعود بعد غد ، وعندما عادت قال لها بأنه رأى بأنها هي زوجة المستقبل وقد أمهل نفسه يومين حتى يتخذ قرارا كهذا ، فقالت بأنها شعرت معه ذات الشعور وأدركت أن عودتها السريعة هذه ليست من أجل المراجعة قدر ما هو بسبب أمر آخر . كان القرار سريعا لأن كل واحد أدرك بأنه يعرف الآخر منذ عشرات السنين ، أجل ما يزال يذكر ذلك جيدا وكأنه وقع ليلة البارحة رغم مرور عشر سنوات عليه وقد نتج ذاك الزواج عن طفلة هي الآن في الثامنة من عمرها وهي شعلة من







طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق