المرأة الغجريـــــــــة الصفحة 1 من 3

بواسطة: عبد الباقي يوسف

الحلقـة الأولــــــــى
توالت طرقات خافتة متلاحقة على الباب، فكرت للحظات في مَنْ يمكن أن يزورني في الثامنة من صبيحة يوم الجمعة، هل حدث طارئ في القرية وجاء أحد أخوتي لإعلامي؟
وتتابعت الطرقات الخافتة للمرة الثانية ، نفضتُ يدَي من رغوة الصابون مسحتهما بالثياب التي أغسلها ووقفتُ أمام الباب مددتُ كفي إلى المفتاح وتذكرت قول أمي : لا تفتحي الباب قبل أن تتأكدي من معرفة الذي يقف خلفه . قلت : مَنْ ؟ ويدي تكاد تدير المفتاح . ولم يرد جواب : مَـنْ ؟ .
خرجت الكلمة من فمي بصوت مرتفع كصدى ، وتناهت طرقة واحدة هذه المرة لتؤكد بأن الطارق ما زال واقفاً، فتحتُ الباب بشيء من السرعة وكأني أريد أن أخلعه من مكانه ، وقع نظري على وجه يميل إلى السمرة لامرأة قصيرة بعض الشيء في عشرينات العمر ترتدي ثيابا رثة تمد كفها إليَّ وقد سبقها صوتها كأنين : من مال الله .. لا تخجليني الله يحفظ شبابك .
ولفت نظري كيس الخيش المعلق بكتفها على طريقة حقائب الجنود السفرية.
إنها امرأة ، ولكن أي امرأة ، إنها لاتشبه النساء ، لقد أفقدها هذا المنظر المدقع كل لون من ألوان المرأة . قلت بنبرة كلها شفقة وعطف وقد أوشكتْ دموع أن تنزل من عيني : ماذا تريدين..؟
لبثت صامتة تنظر إلي ولم ترد ، انتابني شعور سريع بأنني ربما جرحتها بنظراتي أو بنبرات صوتي وأنا أسألها عما تريد وكان من المفترض أن أقدم لها ما أستطيع عليه دون تلك النظرات وتلك النبرة . أردت أن أخفف عنها هذا الشعور بالحرج وأعدل ما وقعت فيه من خطأ فقلت : أقصد لا أعرف ماذا أعطيك ، يوجد خبز أتريدين رغيفاً.. تفاح.. بندورة.. خيار.. هذا كل شيء .
قالت وقد استردت نظراتها الطبيعية إلي : أعطني ما تشائين ياسيدتي .
تراجعت إلى الوراء واتجهتُ إلى البراد ، سحبتُ رغيفاً من الخبز وتفاحة وبندورتين.. ولمّا استدرت رأيتها دخلتْ في فم الباب وهي تفتح كيسها ، وضعتُ ما بيدي في فم الكيس ، ثم عدتُ مرة أخرى إلى الخلف ، مددت يدي إلى حقيبتي الصغيرة وناولتها ورقة نقدية بفئة الخمس ليرات.
مدتْ كفها تأخذ الورقة النقدية و أجالت بنظرها في الشقة ثم مالبثت أن تمتمت وهي تنظر إلى الثياب المرمية على الأرض جانب طشت الغسيل : أأنت طالبة؟
قلت: لا.. بيتنا في القرية، وأنا مستأجرة هذه الشقة لعملي في المدينة . هذا هو الحل الوحيد لأعيل أسرتي ، أنا معلمة مدرسة ولم أجد تعيينا في قريتي .
قالت : اليوم عطلة، لماذا لم تذهبي القرية .
قلت : أحب أن أبقى يوم العطلة في البيت
فقالت : هل تريدين أن أغسلها لك؟
نظرتُ إليها ولم يكن بوسعي أن أرد على الفور ، لكنها أردفت بشيء من إلحاح :
هل تظنين بأنني لن أنظفها ، لاتخافي ، سأنظفها أكثر من غسّالة ، وستعطينني تعبي ، أحيانا أغسل ثياب عائلة كاملة في بعض البيوت ، لقد تدربت على ذلك .
قلت وصوتي يرتعش : كم تريدين ؟
قالت : الذي يطلع من خاطرك أنا راضية به .
وهنا اعتراني ذات الشعور الذي ربما اعتراها أول الأمر ، أو لعلها أرادت أن ترد على ذات الشعور الذي سببته لها ، فها هي تريد أن تشفق بي وهي تنظر نظرات شفقة وعطف إلى فتاة تقف أما م طشت غسيل وكان من المفترض أن تكون ثمة غسّالة تيسر عليها عملية الغسيل 0 فقلت : لا لا لاأقبل بذلك ، لنتفق على الأجر أولا .
قالت وقد علت بسمة شفقة مرة أخرى على ثغرها : كم ستعطينني ؟
كم ، أعدت السؤال في خاطري مرات عديدة ثم قلت بعد صمت لم يطل وأنا أنظر إلى كومة الثياب : سأعطيك خمسين ليرة حلالا وزلالا .
قالت : ألا تريد ين أن تزيدي شيئا ؟
قلت: العملية كلها لا تستغرق نصف ساعة ، خمسون ليرة بالجهد أفضل من خمسمئة ليرة دون جهد .
قالت بشيء من الانفعال وقد وضعت الكيس على الكنبة مستعدة للغسيل : أنت مصرة أن تجرحيني كل مرة بكلامك ، لكن لأبتلع هذه أيضا ، موافقة أعطني .
فتحتُ حقيبتي مرة ثانية ولم أجد غير فئة المائة ليرة عندئذ قلت: ألديك رجوع ؟ وأبرزتُ الورقة النقدية الزرقاء. فمدتْ أصابعها إلى طرف المحرمة التي تغطي شعرها وبسرعة فائقة فكّتْ عقدة وبدأت تناولني أوراقاً بفئتَي الخمس والعشر ليرات، وتناولتْ من يدي المائة ليرة وعقدتْ عليها طرف المحرمة، ثم باشرت في الغسيل.
استلقيتُ على الكنبة أتابع برامج يوم الجمعة في التلفزيون، قاطعتني: ألا يوجد لديك حمام للغسيل ،
قلت : يوجد ، لكن اعتدت الغسيل في الصالون حتى أغسل وأنظر إلى التلفزيون ولا أحس بالوقت 0
بعد قليل تمتمت وهي تنظر في الثياب التي تغسلها: لماذا لا تتزوجين .. الرجل هوحياة المرأة ؟.
- عندما يأتي الوقت المناسب سأتزوج . أجبت وأنا أتابع النظر في التلفاز 0
قالت ببسمة وقد رفعتْ وجهها الشاحب إليَّ ومسحتْ أنفها بكم جلبابها الأخضر: الوقت المناسب ، كلهن يقلن ذلك ؟.
نهضتُ إلى التلفزيون .. بحثتُ في المحطات الأرضية ، لم أجد ما يعجبني فتركته على أغنية تركية في المحطة التركية الثانية وعدتُ إلى الجلوس.
لم تكرر السؤال ، وبعد قليل قالت : أين أنظف الثياب ؟
فقلت : على المغسلة في الحمام .. فحملتْ الثياب في الطشت البلاستيكي على رأسها وغابت نحو عشر دقائق . ثم اتجهت معها لتنشر الغسيل على البلكون .
تركتها وعدتُ إلى الغرفة لفتَ الكيس نظري، فمددتُ يدي إليه وفتحته.. ألقيت بنظرة فاحصة في المحتويات : برغل.. تظهر حبات رز بينه ، وكيس يحتوي على نحو نصف كيلو من السكر ، وآخر على حفنة شاي حجازي أحمر اللون ، كسرات خبز ، حبات خضار موسمية رخيصة.. وسمعتُ وقع خطواتها أعدت إغلاق الكيس بواسطة جر الحبل المطاطي الأبيض. وشردتُ في هذا اللون من العيش على فضلات الآخرين ، إنه شكل خاص بهم ولو عرفتُ هذه الفلسفة لعرفتُ المزيد ، لا أستطيع أن أحكم على الشكل ولماذا لا يكون هذا النمط من العيش أكثر صواباً ؟
دخلتْ الصالون ناولتها البشكير فالتقطتها بخجل وبدأت تمسح يديها وتتأهب للخروج : لماذا مستعجلة ؟
- لألتقط رزقي أنا فقيرة بائسة معدومة ألا تشفق عليَّ ؟
وتأملتُ ثيابها البالية المتسخة مرة أخرى فصدرت منها رائحة نتنة . رفعتُ نظري إلى وجهها ووقعتُ عيناي على حجم الغبار ومن تحت المحرمة لمحتُ قيراطاً في أذنيها فأعلمتني بأنه الوحيد الذي تلقته يوم زفافها منذ ما يقارب ســنة .
ألححت عليها أن تتناول طعام الإفطار ، بيد أنها رفضتْ بعناد ولم تمد يدها إلى كسرة خبز .
ثم تناولتْ كتاباً وهي تتمتم لنفسها : ليتني دخلت المدرسة،، منذ طفولتي كانت أمي تأخذني معها إلى البيوت وتعلمني طرق التسول: يا بنتي لا تفقدي الأمل في أحد،، الشاطرة هي التي لا تترك أحداً إلاّ وتأخذ منه قسمتها ، غداً ستكونين مثل أمك لن يتزوجك طبيب ، هذا هو مستقبلنا.
وفي السنة الماضية عندما تزوجتُ غجرياً عرفت بأن البنت لن ترضى عن نفسها إلاّ عندما تنجح في أن تكون صورة طبق الأصل عن أمها. ولما منعني زوجي من التسول، وأراد أن يقعدني في البيت خيّرته أن يطلقني أو يدعني أكون نسخة عن أمي .
- ألستَ غجريا يا بن الغجر هل خفتْ عليك طباعنا ألم تعرف أمي ، أنا اعتدتُ طرق أبواب البيوت هذه هي حياتي مثل حياة أمك وأخوتك ، وأمي وأخوتي وكل هذه البيوت لماذا تريدني أن أكون شاذة ؟.
- سأعمل في صناعة الأسنان وأكسب كثيراً .
- كلهم يعملون مثلك ولا يمنعون زوجاتهم.
فصمتَ زوجي وعلى الفور رويت له حكاية المرأة الغجرية التي تزوجت ثرياً من غير الغجر وكانت جميلة ساحرة - كما تقولون أنتم - : ‘لو كانت غير غجرية لارتفع مهرها إلى مليون ليرة وتقدم إليها ألف شاب’.
فوقع رجل ثري من المدينة في حبها عندما رآها تتسول مع رفيقات لها وتتبّع خطواتها إلى أن دخلت خيمتها ، عندئذ جاء يطلبها واشترط أن تتوقف عن التسول فوافقتْ على شرطه ووافق أهلها فـتـزوجا وأسكنها في قصره الكبير ، وفـّر لها كل







طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق