الإيـدز الصفحة 1 من 4

بواسطة: عبد الباقي يوسف

عاد السيد عبد الوهاب إلى الفندق في الساعة الواحدة ليلاً وهو يتصور جلوس الرجل العجوز خلف الطاولة وعلى يساره لوحة المفاتيح، ذلك الرجل الذي استقبله صباحاً بابتسامته البشوشة عندما سأله عن غرفة شاغرة، طرق على المائدة، ولم يجبه أحد.
يبدو أنه نائم، قال السيد عبد الوهاب، ومد كفه إلى لوحة المفاتيح، وسحب المفتاح رقم / 2 / وهو يتجه صوب غرفته، تناهى إلى سمعه صوت سقوط صحن زجاجي على البلاط. أيقظ الصوت شهيته لاحتساء فنجان قهوة، تخيل جلوسه في الغرفة يحتسي القهوة، وألحت الرغبة وقادته إلى مصدر الصوت، مد يده ودفع باباً صغيراً خلف لوحة المفاتيح، فانفرج الباب، وأدى إلى غرفة صغيرة بمساحة مترين مربعين، دخلها ورأى شخصاً يولي بظهره إليه ويحرك طعاماً على سخان كهربائي تأحأح السيد عبد الوهاب، فاستدار الشخص بحركة بطيئة ولما رآه ارتعد وعلاه ارتباك، فبادره السيد عبد الوهاب: آسف الآن فقط أنهيت مشواري، فلم يرد عليه الشخص الذي أدار ظهره كرة ثانية وعاد إلى تحريك طعامه وبعد قليل حمل صحناً من الكوسا المقلية بالبيض ومر بجانبه خارجاً، رأى نفسه وحيداً في الغرفة فدنا إلى البراد، ورفع قنينة من الماء البارد إلى فمه عندئذ تناهت وقع خطوات، فاستدار والقنينة في فمه رأى ذات الشخص يدنو من البراد ويسحب ربطة الخبز من الدرج الأسفل الذي يشبه صندوق، فوضع القنينة مكانها قبل إغلاق الباب، قال له الشخص هذه المرة وهم يهم للخروج: تفضل كل معي.
أجابه وهو أيضاً يهم بالخروج: لا شكراً، عندما تفرغ، أرجوك اجلب لي فنجان قهوة إلى الغرفة رقم / 2 / .
أجاب الشخص وقد وقف في المدخل: أنا نزيل مثلك، يبدو ان العامل المناوب نام في إحدى الغرف الفارغة، نظر السيد عبد الوهاب إلى الخبز في يده، أردف قائلاً: أنا مستأجر غرفة شهرية هنا، هل نزلت اليوم؟؟
- أجل اليوم هو الأول، أعني هذه أول ليلة لي. قال له الشخص بلهجة ضيافية: لا يهمك، سأعمل لك القهوة بشرط أن تعتبر نفسك ضيفي.
- ما دمت تسكن هنا بصفة دائمة فأنا ضيفك.
قالها مازحاً واتجه إلى غرفته .
تصفح كتاباً، وبعد نحو ربع ساعة دخل الشخص يحمل فنجاني قهوة تتوسطهما كأس ماء.وعندئذ لم يجد السيد عبد الوهاب بداً لتكرار اعتذاره الشديد وسوء الفهم، ولكن الشخص ذكره بالشرط الذي بموجبه صنع له القهوة، فطلب إليه الجلوس وهو ينظر إلى الفناجين وعند جلوسه سأله الشخص: من أين حضرتك؟ قال وهو يرتشف القهوة المغلية جيداً والمرتفعة الحرارة:أنا يا سيدي من مدينة الحسكة شمالي البلاد، أقصى الشمال .
- وهل ستمكث طويلاً؟؟
- حوالي ستة أيام فقط وأنت؟؟
- لا أدري… هذه مسألة خاصة، هل جئت لعمل، أم لزيارة أحد؟؟
- لا هذا ولا ذاك، جئت لزيارة اللا أحد، اعتدت على هذه الزيارات كل ستة شهور، أزور من لا أعرفهم مثل زيارتي لك الآن.
قال الشخص وهو يحدق بعبد الوهاب ملياً: هذه الزيارات ضرورية على ما يبدو لأي شخص وليس لك فحسب. قال عبد الوهاب: أحياناً نضجر الذين نعرفهم ونلجأ إلى الذين لا نعرفهم ولم يسبق لنا أن رأيناهم.
ولكن هل تسمح لي أن أسألك سؤالاً؟
قال الشخص : وهل جلوسنا لغير الحديث والأسئلة والتعارف؟؟
- السيد عبد الوهاب: ماذا تعمل؟
- الشخص : يا سيدي أنا الآن متوقف عن العمل.. وغرق في صمت كئيب.
- السيد عبد الوهاب محاولاً طرد شبح الصمت: أعني مهنتك في الحياة؟
- فرفع الشخص رأسه وأجاب: كنت أعمل في الخارج ولبثت خمس سنوات متواصلة خارج البلاد، سافرت في سن العشرين وعدت منذ ثلاثة شهور.
- وبيتك، ألا أهل لك؟؟
- لي أهل ولكن منذ ثلاثة شهور تفشل محاولات الذهاب إليهم، لقد فقدت كل شيء فماذا أفعل بأهلي،، إنهم يعجزون عن تقديم أي عون لي،،
- أنا أكبرك بخمس سنوات وأقول بأنك ما تزال تتعثر بمد قدمك إلى الدرجة الأولى من درجات الحياة لم تشرب كأساً من النهر الذي ستشربه، اليأس في سنك لا يعني غير الهزيمة في أفضل التفسيرات. قال وما زال محافظاً على هدوئه: يا سيدي قد يحدث وأغرق في نهري قبل أن أشربه.
- قال السيد عبد الوهاب وهو يواصل كلامه دون انقطاع: الذي يجدي هو أن تصر على شربه وتدافع عن حقك للحصول عليه، وإن شئت اسبح فيه كما تسبح الطيور في الفضاء .
ولما أخذ الحديث هذا الاتجاه المتوتر عرض الشخص على السيد عبد لوهاب فنجان قهوة أخرى في غرفته والسهر حتى طلوع النهار ثم عزمه على وجبة الغذاء مقدماً فوافق السيد عبد الوهاب على أن يعذره من الغذاء وخرج ببيجامته نظر في فراغات الممر وقاده الشخص وهو يقول: ليس هناك أطيب من السهر في الفنادق 0
جلس السيد عبد الوهاب على كرسي في الغرفة وخرج الشخص ليحضر القهوة وكانت الساعة تشير إلى الثالثة وعشر دقائق صباحاً فهتف به عبد الوهاب إلى الممشى: على فكرة، ما اسمك؟؟
جاء الصوت من الممشى: عائد .
تأمل محتويات الغرفة كل شيء يوحي بأنه سيهجر الغرفة صباح الغد، الثياب مرمية على الأرض،نقود ورقية ذات فئات صغيرة مرمية في الزوايا، أحذية







طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق