الفوائد و الدرر من حديث لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ عَمَل من 10

بواسطة: د. ربيع أحمد

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده، وعلى آله وصحبه.
أمَّا بعدُ:
فسنَّة النبي - صلى الله عليه وسلم - مليئة بالفوائد والدُّرر، والكلام القليل الذي يحمل من المعاني الكثير، والعلم النافع الذي يَهدي العباد إلى العمل الصالح، ويُرشد العقول إلى الخير المأمول.
وكي نحصلَ على هذا الخير، لا بد أن نفهم السنَّة في ضوء القرآن، وليس بمعزلٍ عنه، وإن كان هذا ليس شرطًا مطَّردًا؛ لأن في السنَّة تفصيلاتٍ لا وجود لها في كتاب الله.
ولا بد أن يكون عندنا أدواتُ العلم، وأن نستفيدَ من علم اللغة، وعلم أصول الفقه، وعلم مقاصد الشريعة، وغير ذلك من العلوم النافعة المُعِينة على فَهْم النصوص على الوجه الصحيح.
وليس معنى أن الشخص قد امتلَك أدوات الفهم، أنَّ فهمه للنص يكون صحيحًا، فكم من العلماء مَن فَهِم النص على خلاف مراد الشرع، مع امتلاك العالِم لأدواتِ الفهم والاستنباط، وتجرُّد العالِم للحق، والسرُّ في ذلك: الاختلافُ في الاستعدادات الفِطْرية والمكتسبة لدى العلماء، واختلاف نظرتهم للنص، وتفاوُت عِلمهم، ودرجة استنباطهم، والقواعد التي يَبنون عليها فَهْم النصوص، فرُب قاعدةٍ يسير عليها عالِم لا يُقرُّها عالِمٌ آخرُ، ورُبَّ عالم يبني استنباطَه على قاعدة باطلةٍ ودليلٍ باطل.
والفهم الصحيح للنص توفيقٌ من الله مع الأخذ بأسباب الفهم، فندعو الله أن يَهدينا إلى الحق فيما اختُلف فيه.
ولتفاوت العلماء في الفهم، فمن الأفهامِ ما يوافق الكتابَ والسنَّة، ومن الأفهام ما يخالف الكتاب والسنَّة؛ فالواجب عرضُ كلام العلماء على الكتاب والسنَّة، فما وافقهما، قبِلناه، وما خالفهما، رددناه.
ومن النصوص التي فَهِم منها البعضُ خلاف ما يوافق مراد الشرع حديثُ: ((لن يُدخِل أحدَكم عملُه الجنَّةَ))، وهذا الحديث الشريف في الصحيحين؛ فهو في أعلى درجات الصحة.
الحديث نصُّه عن عائشة - رضي الله عنها -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((سدِّدوا وقارِبوا وأبشِروا؛ فإنه لا يُدخِل أحدًا الجنةَ عملُه))، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ((ولا أنا، إلا أن يَتغمدَني اللهُ بمغفرة ورحمة))[1].
وفي رواية عن عائشة، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((سدِّدوا وقاربوا، واعلموا أن لن يُدخِل أحدَكم عملُه الجنةَ، وأنَّ أحبَّ الأعمالِ إلى الله أدومُها وإن قلَّ))[2].
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لن ينجِّي أحدًا منكم عملُه))، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ((ولا أنا، إلا أن يتغمَّدَني اللهُ برحمة، سدِّدوا وقاربوا، واغدُوا ورُوحوا، وشيء من الدُّلجة، والقصدَ القصدَ تبلغوا))[3].
ودعونا نَحْيَ في رحاب هذا الحديث، ننهل منه الدررَ والفوائد والعِبر؛ فقولُ السيدة عائشة - رضي الله عنها -: ‘قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم’، يدلُّ على رواية النساءِ لحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - أي: نشر النساء الصحابيات للحديث النبوي، وحِفظهن للسنَّة؛ أي: إن للنساء دورًا في نشر السنَّة وحفظها، كما نشَرها الرجال وحفظوها، فلا يُنكِر دورَ النساء في نشر السنَّة وحفظها إلا جاهلٌ بعلوم الحديث.
وتحديث السيدة عائشة أم المؤمنين عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - دليلٌ على أن نساء النبيِّ - رضي الله عنهنَّ - كان لهنَّ دورٌ في نشر السنة والدين، وحفظ السنة والدين، وقد روت السيدة عائشة - رضي الله عنها - ‘2210’ حديثًا، وروت السيدة أم سلَمةَ ‘378’ حديثًا، وروت السيدة ميمونة - رضي الله عنها - ‘76’ حديثًا، وروت السيدة أم حبيبة - رضي الله عنها - ‘65’ حديثًا، وروت السيدة حفصة - رضي الله عنها - ‘60’ حديثًا، وروت السيدة جُوَيرية - رضي الله عنها - خمسة أحاديث.







طباعة أرسل هذه الصفحة لصديق